«الأوقاف».. ووجودية ديكارت!
خطبة الجمعة 23 مارس الماضي، والمعدة من قبل ما يسمى بقطاع المساجد في وزارة الأوقاف، أحدثت منذ بثها ولا تزال ضجة في المجتمع الكويتي، فتلك الخطبة ليست مجرد حماس شخص أمام الميكرفون، فتفوه بما تفوه به!.. لا بل هي خطبة أعدتها الوزارة من خلال أحد قطاعاتها، وتمت مراجعتها على مستويات مختلفة، لذلك فإن الوزارة والحكومة مسؤولتان مسؤولية كاملة عن كل ما ورد فيها من شطط، أو أن من ألقاها تفوه بما لا يعرف!
الخطبة ركزت على ما أسمته بظاهرة الملاحدة في الكويت، ونحن نعيش في هذا المجتمع منذ عقود ولم نلمس تغييرا في إيمان غالبية الشعب الكويتي، ونظن أن أفكار الوزارة مبنية على قياسها لكل الآراء بما يؤمن به القائمون عليها وفكرهم المرجع والأساس، وهذا خطأ.. فالله سبحانه وتعالى خلقنا بهذا التنوع، ولا يمكن أن يوحدنا فكر هؤلاء {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة}.. صدق الله العظيم.
***
الخطبة تقول: «أعظم الناس انحرافاً هم الملاحدة الفلاسفة وزنادقة الدهريين الماديين، وهم أكبر أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وهم شرار الخلق الدعاة إلى الضلال والشقاء، فإنهم تصدوا لمحاربة الأديان كلها.. وزين لهم الشيطان علومهم التي فرحوا بها.. ومن أعظمها عندهم أصل خبيث تفرع عنه ضلالهم وهو: أنه من أراد الشروع في المعارف الأهلية، فليمح الله من قلبه جميع العلوم والاعتقادات، وليسع في إزالتها من قلبه بحسب مقدوره، وليشك في الأشياء ثم ليكتف بعقله وخياله ورأيه.. مع كون وجود الله تعالى ووجوب إفراد ألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته وأفعاله من أظهر وأوضح القضايا، إلا أنه وجد شذاذ الآفاق من البشر أنكروها، وأضحت فتنتهم ووباؤهم وإلحادهم غزواً فكرياً، تجاه ناشئة المسلمين وشبابهم يعيب عقيدتهم وأخلاقهم في مقتل…».
ثم عرجت الخطبة في جزئها الثاني إلى ما أسمته «ما يدعو إليه أهل الإلحاد المعاصر» وهو الدعوة إلى الانحلال من جميع القيود الشرعية والأخلاقية، والدعوة إلى حرية المرأة التي هي في حقيقة الأمر انسلاخها من الأعراف والعفة والحياء إلى عادات الكفار والانحلال والتبرج والسفور.. انتهى.
والجزء الأخير هو الذي أثار ضجة كبرى ولا يزال وهو ليس بموضوعنا الأساسي، فقد أشبعه الكثيرون بحثاً ورداً ووجهات نظر، تخطِّئ ما خطته أقلام المعنيين في «الأوقاف».
***
نرجع هنا إلى المفكر والفيلسوف الفرنسي ديكارت وهو أبو الوجودية، وصاحب نظرية «أنا أفكر.. إذاً أنا موجود» لنرى ماهية آرائه التي أخذها كاتب الخطبة باستخفاف ومن دون أدنى علم أو معرفة أو تعمق بمثل تلك الاتجاهات والنظريات.
ديكارت.. بدأ بكتابة كثير من الكتب تحوي نظرياته، بدأها بكتاب «رسائل حول المنهج»، وهو كتاب مهم للغاية، حاول من خلاله رأب الصدع المختلق بين الفكر والعقيدة، وهو ما دفعه لتسخير الفكر للوصول إلى الإيمان.. وقد استندت فلسفة ديكارت إلى منهج الشك، ومن الشك استنبط فرضية أنه يفكر، لأن الشك نوع من التفكير.. وهو المؤكد الأول الذي لا خلاف عليه.. ثم انطلق ليؤكد وجود الباري – نكرر «الباري» – أي الله، من خلال الإشارة إلى أن الشك نوع من عدم اليقين، وهو ناتج عن خداع الشيطان للإنسان، أي عدم الكمال، وهو ما يستوجب وجود الكمال – والكمال لله وحده عز وجل – ومن خلال هذه الجزئية توصل ديكارت إلى وجود الله، الذي لا يمكن أن يتصف بالصفات الخداعة، فهو الكمال والعظمة، وبالتالي فلا يمكن أن يكون سبباً في الخطأ البشري، بل العكس هو الصحيح، لأن الله الخير كله، والرحمة كلها، ويشير إلى أن الإنسان عندما يقع في الخطأ، فذلك لأنه لا يستخدم النعمة التي أنعم الله عليه بها وهي عقله… انتهى.
أكتب هذا لمجرد إلقاء الضوء على الخطأ الفادح الذي وقعت فيه وزارة أوقاف حكومة الكويت الرشيدة بالتعميم المخل والفكر السطحي.. فديكارت فيلسوف الوجودية، مؤمن بالله سبحانه وتعالى بطريقته الخاصة، وليس بطريقتهم.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
علي أحمد البغلي
