الدكتور عبد الفتاح خليفة عبد الرحمن حمّود.. العالِم الوقور والأحيائي الموسوعي واللغوي الفذ
لمباركية نوّار
ليس من اليسير الممهد أبدا أن يخط طالب كلمات، ولو كانت خواطر تذكارية عابرة، عن واحد من أساتذته إذا كان من أمثال الدكتور محمد عبد الفتاح خليفة، عفر الله تربة قبره بالمسك، من حيث قوة الشخصية وصلابة السمت وعلائم الحلم والامتياز بالشد على حبل الجد في كل ساعة وحين شدا محكما بلا سهو أو غفلة.
فأستاذنا الدكتور عبد الفتاح خليفة من صنف الأساتذة الوقورين الذين تنشرح الأنفس برؤيتهم وترتاح الخواطر بمصاحبتهم في قاعات الدرس، ومع ذلك يصعب الدنو من سور حديقتهم، أو الطمع في رؤية نواجذهم ولو طال زمن العشرة. فلا أحد من طلابه، ممن عرفت، تجرأ على مفاتحته في أي موضوع جانبي بسبب غلبة الحياء وامتزاجه بنظرتنا إلى مقومات شخصيته التي لم نكتشف فيها أي طبع من التكبر والتعالي أو الإعراض. وإنما ساد فيها انعكاس مشع ولائح من ثوب نور الهيبة الذي ألبسه الله، سبحانه وتعالى. ولا شك أنه سقي في طفولته من موروث اجتماعي طيب الأغراس، ونبت في بيئة أسرية تسلقت القمم في تنشئة أبنائها، ولم ترض بإبقائهم في حضيض السفوح. وهو لا يتكلف، ولا يتصنع، ولا يداري، ولا يجاري، إنما يتصرف عن سجية انغرزت في خبيئته الوراثية التي تدعى “الجينوم”حتى تمكنت منه، فسار خلفها مطيعا ومستسلما عن قناعة، ولم يقاومها محاولا الانفلات منها.
ليس التاريخ وحده هو من يعيد نفسه، وإنما نصادف التكرار حتى في مشاوير سيّر الأفراد. فأسلوب المعاملة الذي عاشه أستاذنا الدكتور عبد الفتاح خليفة مع أساتذته، جدده وأبقاه صُوى مرسومة في تعامله مع طلابه. ولم يعمل على تضييق فجوة الانفصال بينه وبين من يعلمهم رغم تغير الزمان وتبدل أساليب التربية وتطورها. ففي مراحل التعليم التي مررنا بها، كنا نتمنى لو ينحرف أي واحد من أساتذتنا عن مسار الدرس أو المحاضرة لهنيهات، ويذهب بنا في حديث استرجاعي مشوّق عن شطر من حياته الخاصة. ولكن هذه الأمنية مع أستاذنا الدكتور عبد الفتاح خليفة الذي تجاوزت صرامته في التجرد من ذاتيته كل الحدود ظلت حلما يراودنا. واليوم، عندما أعيد قراءة أولى السطور التي افتتح بها محاضرة أعطاها عنوان: (من جد وجد، وبالله التوفيق.. رحلة الكفاح والنجاح) أمام طلبة كلية الزراعة بكفر الشيخ في مصر يوم السابع من شهر ماي 1995م، أي قبل سنة وأشهر قليلة عن رحيله عن دنيانا، تلبية لدعوة تلقاها من عميد الكلية المذكورة للحديث إلى طلبتها في موضوع اجتماعي تمثل في عرض أشواط ومراحل مسيرة حياته، لما أعيد قراءة السطور الأولى من هذه المحاضرة القيمة من جانب موضوعها، أجد أن أحاسيس أستاذنا الدكتور عبد الفتاح خليفة تتقاطع مع أحاسيس كل من يجلس على كرسي التعلم في فصل دراسي أو في مدرج. وقد قال في هذه الافتتاحية: (… وفى نفس الوقت أكبرت هذا الطلب من الدكتور الهوارى وأعجبت به. أكبرته لأنني في مرحلة من مراحل حياتي فكرت في نفس هذا الموضوع، وتمنيت أن التقى ببعض أساتذتي الذين تأثرت بهم، وأطلب منهم نفس الطلب، وهو أن يعرضوا علينا سيرهم الذاتية. ولكننى – أصدقكم القول – لم أجسر على ذلك. لماذا؟ .. لا أعرف ربما يكون السبب خوفي منهم ٬ وخوفي من الرفض. فقد كانت الشقة بين الأستاذ والطالب واسعة، ولم نر منهم بعض التقرب والتبسط الذي يزيل هذا الخوف. وربما يكون السبب، أيضا، أنني لم أعمل تحت إشرافهم، فلم تتعد العلاقة بيني وبينهم علاقة الطالب بأستاذه. فقد يزيل الاتصال في العمل الخوف من الأستاذ والحرج من السؤال. وعلى ذلك يكون الأستاذ الدكتور الهوارى أكثر شجاعة مني. ولذلك أكبرت منه هذا السؤال).
عندما جلست متعلما لمقياس علم الحيوان المقارن في جامعة قسنطينة في نهاية سبعينيات القرن الماضي على يد الدكتور عبد الفتاح خليفة، وجدته يخطو خطواته في منتصف الطريق العمري الذي يربط بين الستين والسبعين، ومع ذلك ما يزال يضم بين جنبيه حيوية متوقدة وطاقة الشاب التواق وعزيمة الفتى الطموح. فهو لا يقف سوى منتصب القامة في شموخ وهمة. ولا يسير إلا بخطوات رزينة وثقيلة ورشيقة ينقل فيها رجليه نقلا خفيفا حتى لا يكاد يسمع حفيفهما. ولا يرتدي إلا اللباس الأنيق والبديع الذي يزيد من رفع قدره بمجرد وقوع عين ناظره عليه. ولا يفرط في ربطة عنقه التي يلفها لفا يبرز اتساع عقدتها، ولا يتقاعس عن تلميع حذائه. ولا يؤجل حلق شعر ذقنه وشاربيه، مما يعني أنه رجل مرتب في حياته ومتمدن في تصرفاته ومتشبع بالقيم والمثل الحضارية التي قلما يمسك بها أبناء عالمنا العربي. وإذا خاطب غيره، وهو الشحيح من حيث الكلام، خاطبه بكلمات لا تقرا فيها إلا وقع الصرامة الجادة ونعير الانضباط الرصين اللذين يصل بهما إلى شواطئ نبذ التسامح والرفق كلما تعلق الأمر بالعمل، ولا يبالي. وقد طرح المرح والمزح جانبا، وطلقهما طلاقا لا رجعة فيه. وينبعث من عينيه اللامعتين والمحجوبتين خلف نظارة بصرية رقيقة الزجاج شعاع لا ينكسر ولا ينحسر مما يعني أنه يحوز أنفاسا حارة وروحا مسلحة في إيمان بقيمة العمل وبعظمة الرسالة التعليمية والتربوية التي نذر لها نفسه بعد أن آمن بدورها في رسم مستقبل الأوطان وبناء أجيال المستقبل.
لم نكن نتحاشى مقابلة أو مواجهة أستاذنا الدكتور عبد الفتاح خليفة، رحمه الله، خوفا هلعا وإنما احتراما وتقديرا. وما زلت أذكر كيف توقفت سيارته الزرقاء الصغيرة فجأة، ذات يوم أمامي، في الطريق الرابطة بين مدينة قسنطينة ومطار “عين الباي”، وأنا عائد إلى الحي الجامعي راجلا. ولما أبصرته نازلا منها وزوجته للسير تجوالا في الحقول المخضرة وهروبا من ضوضاء المدينة الصاخبةز ولم يكن أمامي من حل سوى مخالفتهما الرصيف بسرعة توقيرا له، وفقدت القدرة على الاقتراب منهما وإقرائهما السلام. ولم أتشجع للنظر طويلا في وجهيهما، ولكنني ألمحت زوجته المحترمة ترتدي معطفا خفيفا، وتضع على رأسها قلنسوة غطت بها شعر رأسها كتلك التي تضعها الأستاذة الجامعية والأديبة الراحلة سهير القلماوي على رأسها، وغيرها من السيدات المصريات المحترمات.
إن من يسترسل في قراءة سطور أخرى من محاضرة الدكتور عبد الفتاح خليفة التي أشير إليها منذ حين، يدرك تشبثه الصلب وعضه بالأسنان العصية على تقاليد مجتمعه، وإبرازها في سلوكه. ويتيقن أن أمثاله لا يمكن جرهم أو سحبهم إلى مرابع التقليد المبني على الانبهار من بعد التفريط وإدارة الظهر لعادات وتراث أمتهم. وعندما يستعيد قسطا من ذكرياته عن أيام دراسته في أنجلترا، يقول: (… وأيام كامبردج أعتبرها أسعد الأيام؛ ففيها تعلمت وتطورت فكريا وسلوكيا واجتماعيا من دون أن أضع على رأسى برنيطة ـ يقصد قبعة ـ أو أضع فى خشمى سيجارة أو بيبة ـ يقصد غليونا ـ. وفيها عرفت كيف أكون باحثا ومعلما. وتعلمت الصبر وقلة الكلام. فكل من ترك بصمة على سلوكي وفكري كان قليل الكلام، فالدكتور حامد سليم كان قليل الكلام، والدكتور كامل منصور قليل الكلام٬ والأستاذ توفيق أبو طيرة قليل الكلام، والأستاذ أيمز لا يتكلم، ووجلزورث شحيح الكلام. آه… لو تعلم الناس قلة الكلام والبعد عن اللغو، واتجهوا إلى العمل لكان الحال غير الحال. ولكن لا حول لا قوة الا بالله). وهكذا يرى أستاذنا الدكتور عبد الفتاح خليفة في الثرثرة وكثرة الكلام ملهاة عن العمل. وقبل أن يشيع نصيحته التي تشبه القاعدة الذهبية بين الناس، تقمصها وأذعن لها قبل غيره.
كان موعد المحاضرة الأسبوعية التي يقدمها لنا أستاذنا الدكتور عبد الفتاح خليفة، رحمه الله، الرابعة عصرا، وتستمر حتى السادسة مساءً. وأذكر أنها كان يلقيها علينا في فصل الشتاء، مما يعني أننا نلج المدرج في ضوء النهار ونغادره وأعيننا تسبح في ظلام الليل الدامس. وكان أستاذنا هو أول من يصل إلى المدرج، ويأخذ مكانه بعد نزع معطفه الأسود ذي الأقفال الكبيرة والبارزة، ووضع أوراقه التي يحسن ترتيبها كما ترتب ربة البيت أشياءها في مطبخها وهي تستعد لتحضير أكلة تريد أن تفتن فيها، واستبدال نظارته بأخرى تساعده على القراءة من قرب. وكان يشرع في الكلام من جلوس بمجرد حلول موعد انطلاق المحاضرة الذي يدركه من ساعته التي يربطها على معصمه. ولم يكن يهمه من أمر المتخلفين شيئ. فالقطار الذي يمتطيه لا يعرف الانتظار أو التأخر. وهو يبغي من وراء هذا التصرف المدروس حملنا على احترام الوقت وإنفاق دقائقه في المفيد المربح، وتعويدنا احترام المواعيد، وأن يرسخ في نفس كل واحد منا الشعور بغلاء الوقت. وأن يوقظ انتباهنا لإدراك أن الإنسان يمكنه أن يعوّض مافاته، بينما يستحيل عليه استرداد أية ثانية تضيع مهدورة من عمره وتبذر سدى. وعلى هذا المنوال، كانت دروس الحياة التي يقدمها لنا أستاذنا الدكتور عبد الفتاح خليفة ملفوفة في تجاويف الصمت ومجسدة في سلوكات يلتزم بها هو قبل أن يلزمنا بها. ولم يكن يعلق على كل تصرف لا يعجبه، أو يعنف من صدر منه، أو يسمعه وابلا من ألفاظ التأنيب. وإنما كانت النظرة الشزرة التي تصدر من عينيه كافية للعتاب واللؤم، وهي أعنف لهبا وتقريعا لذوي العواطف الرقيقة.
كان عسر التعلم من محاضرات أستاذنا الدكتور عبد الفتاح خليفة يسطو على قدراتنا ويشنقها من جانبين اثنين، جانب كامن في الدراسة الأحيائية المقارنة التي تجعلك تفتح عدة نوافذ دفعة واحدة، وتنظر في التشابهات وتبحث عن نقاط الاختلاف والافتراق بين الأجهزة والأعضاء والأنسجة والانتقال من شعبة حيوانية إلى أخرى انتقالا أفقيا عار من شرود الذهن. وجانب يتمثل في التجنيد الأقصى للقوة الاستيعابية التي تمكنك من متابعة كلمات الدكتور عبد الفتاح خليفة، رحمه الله، والتي تخرج من بين شفتية محكمة ودقيقة الدلالة ومركزة كمن يقرأ الشعر العربي الجاهلي بكل ما تتميز به من متانة في البناء والتركيب وعمق في الدلالة وغرابة في اللفظ. فالمفاهيم والمصطلحات العلمية عنده أشبه ما تكون بلبنات البناء ذات الأشكال المختلفة، ولا يرتاح إلا إذا وضع كل مفهوم أو مصطلح في مكانه المناسب مصحوبا بنظيره الأنجليزي من دون أن يشكو من عيب التحريف أو شائنة الاعوجاج أو مفسدة الخلط. وكان يحملنا على إتباع قواعد الدقة القصوى ووزن كلماتنا بميزان الذهب قبل التلفظ بها. ولم يكن يتسامح مع كل من يرمي كلامه على عواهنه غير مانح للغة العلمية ما تستحقه من صواب ووضوح وسلامة. ولم يكن يتحاشى إخراج بعض المفاهيم من دهاليز الهجران الذي فرض عليها النسيان لدهور، ونفض الغبار عليها، ورميها في ميدان الاستعمال. ومعه تعلمنا، على سبيل المثال، أن لفظة “الحنجرة” تلفظ بفتح حرف الحاء ولا تنطق بضمها، وأن حرف الكاف في اسم عضو الإطراح “الكلية” تكون مضمومة ولا تكون مكسورة، وأن حرف الدال في كلمتي “الدم” و”المعدة” لا يضغط عليه بالتشديد، وأن مفرد كلمة “الأخلاط” Les humeurs هي “خِلط” بكسر حرف الخاء وليس بفتحها… وقد زادتني هذه التصويبات اللغوية شخصيا مشقة إضافية جعلتني أخصص لها هامشا خاصا على أوراق الكتابة لتسجيلها مشكولة. وكان يساورني، حينئذ، سؤال مقلق مؤداها: كيف سمح العرب بوأد أجزاء من تراثهم اللغوي جحودا وتنكرا في سراديب النسيان؟؟. وكان فرض الحديث باللغة العربية الفصحى قانونا ساريا فرضه علينا أستاذنا الدكتور عبد الفتاح خليفة من دون توصية. وكنا نخجل أن نسأل بدارجتنا الهجينة والخليطة. ولهذا السبب، كانت محاضراته، ورغم غناها معرفيا، تمر من دون أن تطرح فيها أسئلة إلا في القليل النادر. وكان تواصلنا مع أستاذنا الفريد باللغة الفصحى مسلكا نتجنبه، ولا نخوض عبابه الهادر خوفا وهروبا من الوقوع في حرج الخطأ أمامه. والآن، أسال في براءة السؤال الموالي: لماذا لم يجد أستاذنا الدكتور عبد الفتاح خليفة السبيل موطأة للجلوس على كرسي من كراسي مجمع اللغة العربية المصري؟؟. فكيف تُنوسيت مثل هذه القامة الشامخة؟؟.
من غريب التناقضات أننا نجد أنفسنا في نهاية كل محاضرة من محاضرات الدكتور عبد الفتاح خليفة، رحمه الله رحمة واسعة، قد كتبنا نصف صفحة في أغلب الأحيان، ولكن التعب يغشانا وكأننا سوّدنا مجلدات ضخمة بأيدينا المجردة بسبب الإجهاد الفكري الناجم من حرصنا على الجري خلف كل الكلمات والمصطلحات التي يتلفظ بها، وهي من صنف الألفاظ السهلة الممتنعة. وكم من مرة، وقفنا محتارين أمام ما ينبغي تسجيله من شروحاته؛ لأن ضنه في الكلام امتد حاجزا مصمتا وسدا منيعا حتى في محاضراته. ووقتها، لم تكن قدراتنا على الانتقاء والتركيب قد نمت بقدر مناسب يجعلنا نتخطى هذه العقبة الكؤود بسهولة.
ينهج الدكتور عبد الفتاح خليفة منهجا تكوينيا مفيدا في محاضراته يرمي به إلى إشراك طلبته في بناء معارفهم بأنفسهم، ويريد أن يحتفظ هو بدور من يسعى مجتهدا إلى توفير موارد تعلماتهم، وتوجيههم صوب أهداف محددة لا يسمح بالحياد عنها. وكانت المطبوعات التي يقدمها لنا حتى نستعملها كسندات للتعلم تتضمن تبيانات ورسومات يراعي فيها الدقة والوضوح والتناسب بين أجزائها، ويترك أغلبها صما من دون بيانات، ويكلفنا بإتمامها من بعد أن يمررنا على جسور التعرف عليها بطرائق ذكية ترمي إلى تحقيق الاكتساب استنادا إلى الاستنتاج وإعمال الفكر إعمالا ينبني على الملاحظة وجمع جزيئات المعارف المسطرة واستقرائها. وقد علمت من أحد زملائي في الدفعة، حينئذ، أن الرسومات التي تشبه الصوّر المستنسخة يعدها أستاذنا الدكتور عبد الفتاح خليفة، رحمه الله، بأصابع يده. وإن صدق ما سمعته من فم زميلي، فمعنى ذلك أن أستاذنا الدكتور عبد الفتاح خليفة، بوأه الله جنات الفردوس، قد امتلك ناصية علم الأحياء الحيواني واستولى على عرش دقائق اللغة العلمية والأدبية وتضلع في فن الرسم العلمي. ولا استبعد أن تكون ملكته في الرسم الفني على درجة كبيرة من الاستعداد والنمو حتى وإن لم يخرج خبئها ومستورها ليراه الناس؛ لأن التفوق والإتقان في الرسم العلمي خرجا من صلب الرسم الفني، وبين الفنين خيوط ممتدة وعلاقة قرابة. فمن يستطيع مجابهة أو مقارعة هذا الطود العلمي؟؟.
بعد أن أحيل إلى التقاعد في مصر، ذهب أستاذنا الدكتور عبد الفتاح خليفة متطوّحا سائحا
في أرض الله قاصدا الجزائر. ولكنه في سردياته، لم يشبعنا حديثا، ولو من باب الانطباع، عن أيامه التي أمضاها بجامعة قسنطينة. ولربما كان يرجئ ذلك إلى سانحة مواتية أخرى قادمة. وإن ما ذكره عن هذه المرحلة من عمره في محاضرته المشار إليها، كان مقتضبا ولا يشفي غليل النهم المحب للتفصيل والاستزادة. ومجمل ما قاله عن هذه الفترة من عمره حملته سطوره التالية: (… ثم فى النهاية بلوغ سن التقاعد في يوليو 1978 وهذه المرحلة التي يطلق عليها مرحلة التقاعد، ولم تكن بأي مقياس مرحلة تقاعد، فسافرت الى الجزائر فى 1978 للعمل بجامعة قسنطينة، واستمر ذلك لمدة أحد عشر عاما حتى 1989. والحديث عن السودان والجزائر وفلسفة وطريقة تفكير هؤلاء وهؤلاء ومقدار ما أعطيت ومقدار ما اكتسبت حديث أخر. غير أنني أود أن أذكر أنني بدأت في البلدين السودان والجزائر مرحلة جديدة عرف فيها القائمون على التعليم الجامعي ما هي الدراسات العليا، فوضعت أسسها ولائحتها. ومنح عدد من الطلبة درجة الماجستير وسافروا على إثرها إلى الخارج للحصول على شهادة الدكتوراه. وفى أثناء عملي في الجزائر انتهزت فرصة خفة حمل عبء التدريس وشغلت نفسي بتأليف كتاب: “فسيولوجيا الحشرات”، وضعته من ثلاثة أجزاء وتوسعت فيه ليخدم الطالب والباحث).
وسوف نكمل رحلتنا مع أستاذنا الدكتور عبد الفتاح عبد الرحمن خليفة، نوّر الله قبره، في حلقة قادمة، بحول الله.
باتنة / الجزائر
