«تدوير» الأذرع الإعلامية برعاية سعودية!

وبعد أن ولّى زمن الإعلام الإماراتي في مصر، ها هي المملكة العربية السعودية، تدخل بكل ثقلها، بفضائية جديدة، يديرها تركي آل الشيخ، فتى المرحلة (38 سنة)، وموفد المملكة إلى القاهرة!
فمصر الآن تشهد مرحلة «تدوير» الأذرع الإعلامية، فبعد فشل قنوات الأجهزة الأمنية وفي القلب منها DMC، يجري فتح الباب أمام التمويل السعودي، فتعاقدت القناة الجديدة، مع «إبراهيم عيسى» مثلاً، وحسب ما هو منشور وبدون نفي من الأطراف المعنية، بـ (33 ) مليون جنيه في السنة، وهو رقم كاشف، عن أن تركي آل الشيخ (مستشار الديوان الملكي السعودي)، لا ينفق من ماله الخاص على قاعدة «من معه ريال ومحيره يشتري به حمام ويطيره»، أو يطلق قناة فضائية لا فارق، فحجم الانفاق على القناة الجديدة، التي يقال إنها ستبدأ البث في شهر رمضان المقبل، لا تقدر عليه إلا دول بعينها، تميل في إنفاقها إلى السفه!
ولم يكن «عيسى» وحده هو من سيجري عليه «التدوير»، فعمرو أديب، الذي انتقل من قناة سعودية إلى قناة «أون تي في»، يغادر الأخيرة إلى القناة الجديدة. ويبدو أن قائد الانقلاب العسكري استشعر فشله في مجال الإعلام، فرغم الانفاق الكبير على القنوات التلفزيونية التي تم الاستحواذ عليها، فلم تحقق نجاحاً يُذكر فكان لا بد من الاستعانة بالكفيل السعودي، الذي يحل محل الكفيل الإماراتي في هذا المجال الحيوي، فقد دخلت الإمارات على خط إنشاء قنوات تلفزيونية في مصر قبل الثورة، وربما بدون تنسيق مع النظام المصري، لتكون هذه المحطات هي مدفعيتها الثقيلة ضد الثورة المصرية، ومهدت بها للإنقلاب العسكري!
وفي الآونة الأخيرة بدأت الإمارات تنسحب من هذا المجال، وليس معلناً أنه استجابة لطلب من النظام المصري، أم رغبة إماراتية بعد أن تحقق المراد، وليس هناك مبرر لهذا الانفاق الكبير، لكن الشاهد أنه بعد مرحلة وسيطة، استحوذ فيها النظام على قنوات وصحف، حضر المال السعودي، عبر عباءة «تركي آل الشيخ»، والذي لو كان يعمل في تهريب الآثار، لما أمكنه أن يطلق قناة تلفزيونية يتعاقد فيها مع مقدم برنامج واحد بمبلغ (33) مليون جنيه سنوياً، وهو ما يكفي ميزانية لكامل مصروفات قناة تلفزيونية من بابها تبث من القاهرة!
وإلى الآن لم نسمع باسم إعلامي تعاقدت معه القناة الجديدة، من خارج الأذرع الإعلامية للإنقلاب، التي يجري تدويرها، فإذا كان «عمرو أديب» أعلن على الهواء مباشرة استقالته من قناة «أون»، وقال إنه لا يعرف أين يتجه؟، فقد تداولت الأخبار سريعاً أنه يجري تدويره بانتقاله للقناة الجديدة، المموّلة سعودياً. والمبلغ المقرر لإبراهيم عيسى صافياً من دون خصم الضرائب منه. وقد نُشر أن الإعلامي السعودي «داوود الشريان» هو المكلف بادارة القناة الجديدة، وهو ما كان سبباً لتعرضه لهجوم سعوديين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى أساس أن «عيسى» من الإعلاميين المعادين للمملكة، فكيف لقناة سعودية أن تقبله مذيعاً فيها قبل أن يعترف بخطئه، والأكثر إثارة أن «إبراهيم عيسى» لم يقتصر في هجومه على المرحلة السابقة وإنما امتد إلى المرحلة الحالية التي شهدت صعود «سلمان» ونجله «محمد»، ولم يعلن عن التحوّل في موقفه، بعد التوجه الجديد، ويؤيد حركة الاستنارة الفكرية التي يتبناها النجل، والتي أسفرت عن السماح للمرأة بقيادة السيارات!

أرض النفاق

واللافت أن هذا التعاقد يأتي بعد أيام من أزمة «أرض النفاق»، فلك أن تتخيل أن «محمد صبحي» يقوم ببطولة مسلسل يحمل هذا الاسم، وهو الذي بلغ به الأمر حد الإعلان في محفل، أن السيسي لو عذّب أولاده حد الموت، فلن يغضب، فهل يعذّب السيسي الناس يا رجل حد الموت؟!
«إبراهيم عيسي» يقوم بدور في هذا المسلسل، بعد أن قام و»حمدين صباحي» بدور «الكومبارس» في فيلم للمخرج الراحل «يوسف شاهين»، وإذا كان مقبولاً هذا في وقت كان يبحث فيه عن النجومية، فلا أرى مبرراً لذلك الآن، بيد أن شبق الشهرة عنده لا يرتوي أبداً، وليس هذا هو الموضوع!
وقد تقرر أن يعرض «أرض النفاق» على إحدى القنوات السعودية، فقد اعترضت لدى المنتج «العدل جروب» على وجود «إبراهيم عيسى» في المسلسل الذي هو معالجة جديدة لفيلم «أرض النفاق» للفنان الراحل فؤاد المهندس، فلم تجد شركة الانتاج من سبيل لتجاوز هذه الأزمة، إلا أن تنتج نسختين من العمل: واحدة للعرض في مصر، والثانية خاصة للسعودية. الأولى فيها «إبراهيم عيسى» والثانية بدونه، حيث تمت الاستعانة بفنان آخر للقيام بنفس دوره، فماذا تغيّر لتقوم قناة سعودية بالتعاقد مع «إبراهيم عيسى»؟!.. وهل هي قناة سعودية فعلا؟!
إن المالك سعودي، والمال كذلك، وليس «تركي آل الشيخ» إلا واجهة لبيت الحكم السعودي، تماماً كما كان رجل الأعمال «أحمد أبو هشيمة» ومن بعده الوزيرة المتقاعدة «داليا خورشيد» واجهة لمالك حقيقي هو الأجهزة الأمنية، التي تملك عدداً من القنوات والصحف التي تدار لصالح حكم السيسي!
والقناة الجديدة «إس بي سي»، تصدر لصالح النظام المصري، الذي يعاني الفشل في مجال الإعلام، وهو فشل لم ينافسهم فيه إلا الإخوان، وقد ضاق السيسي ذرعاً بهذا الفشل حد أنه كان واضحاً أنه قرر نسف حمامه القديم، فلم يستعن في دعايته الانتخابية بأذرعه الإعلامية، وإنما استعان بمخرجة لتدير معه الحوار الدعائي، رغم أن الساحة مزدحمة بالإعلاميين ومن «عمرو أديب» إلى «أحمد موسى»، وقد قفز في حواره مع «ساندرا نشأت» إلى نقده لوجود إعلامي يخاطب الناس كل يوم، فمن أين يأتي بالكلام؟، وهو ما اعتبره كثيرون بداية لهذا التخلص من خطباء المشهد الإعلامي، وجاء إعلان «عمرو أديب» استقالته من «أون» ليعزز من فكرة تخلص السيسي من «حمامه القديم»!
ولا شك أن هذا كان متوقعاً منذ البداية، وقد تم على مراحل، بدأت بالمجموعة الأعلى مصداقية ومن يسري فودة، وحافظ المرازي، إلى منى سلمان ودينا عبد الرحمن، مروراً بليان داود التي انتقلت الآن إلى التلفزيون العربي في لندن، لعله لم يبق من هذه المجموعة سوى «عمرو عبد الحميد» المقاتل من أجل البقاء في أي ركن فضائي، وقد أفاده أنه يعمل في أكثر من قناة في وقت واحد!

خيل الحكومة

وفي المرحلة الثانية، كان التخلص من «محمود سعد» ثم «إبراهيم عيسى»، وسبقهم للعزل «توفيق عكاشة» وكان لا بد من الوصول إلى مرحلة جديدة لا يتبقى منها أحد إلا منزوع الدسم، الفاقد للجاذبية، «أسامة كمال»، ليقدم السيسي اختياراته هو من إعلاميين بدون خلفية سياسية، فخيل الحكومة متعدد الولاءات، والسيسي ليس كفيلهم الوحيد!
وتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فالذي حدث أن الناس هربت إلى قنوات المعارضة، فكان لا بد من محاولة إعادتهم مرة أخرى للحظيرة، فكانت عودة «محمود سعد» و»إبراهيم عيسى»، و»خيري رمضان»، لكنهم عادوا وقد فقدوا حماسهم، فاكتشف الأول أنه ليس سياسياً، وبالتالي أعلن أنه لن يتكلم في السياسة، أما الثاني فهرب إلى «كاره القديم» بالهجوم على التراث الديني والانشغال به، ربما ليتلاقى مع هوى كفيله القديم «نجيب ساويرس»، أما الأخير فقد بالغ في النفاق، حد الخطأ، ويتردد أن أيامه معدودات!
هذه العودة المشروطة، لم تعد من هربوا لقنوات المعارضة، وهنا تدخلت السعودية بكل ثقلها بإطلاق قناة جديدة، تدفع الملايين لإعلامي واحد، وتكون ميزانيتها ميزانية دولة لها علم ونشيد، ولأن المهم الآن هو جذب المشاهد الهارب، إلى قنوات المعارضة وقناة الجزيرة، فكانت الاستعانة بإبراهيم عيسى رغم الموقف المتشدد من مسلسل شارك بالتمثيل في عدد من حلقاته!
ولنكون أمام الإعلام السعودي الموجه للتأثير في السياسة المصرية، وهو ما كان يتم من وراء حجاب سابقاً، فلم نعلم إلا مؤخراً أن قنوات «الحياة» إماراتية، وكان المعلن أنها مملوكة لرجل الأعمال المصري «السيد البدوي شحاتة». ويُذكر أن الانقلاب العسكري، كان في هجومه على قناة «الجزيرة مباشر مصر» ينطلق من قاعدة أنه لا يجوز لدولة أن تكون لها وسيلة إعلامية للتدخل في سياسات دولة أخرى، وهي القاعدة التي دشنها الراحل محمد حسنين هيكل بما عُرف عنه من قدرة على بناء القواعد وصك العبارات البليغة، وأغلقت «الجزيرة مباشر مصر» واستمر الإعلام الإماراتي والسعودي وها هي القناة السعودية الجديدة تنطلق في محاولة للتأثير في التوجه العام للمصريين، بغض النظر عن فشلها أو نجاحها، والفشل هو المقرر، لأن الناس عافت السلطة في مصر وكل من يعبّر عنها!
السعودية ولمواجهة مشروع انهيارها في القاهرة فقد دخلت بكل ثقلها لإنقاذه، وبمحاولة إعادة المشاهدين من هناك، ولا مانع والحال كذلك من أن تنسى أن «عيسي» قال فيها ما قال مالك في الخمر، وقد لا نفاجأ لو استعانت القناة الجديدة بتوفيق عكاشة، وسوف تكتشف ما اكتشفه السيسي أنها تؤذن في مالطا!
إنه المال الحرام الذي يذهب من أين أتى!

صحافي من مصر

قد يعجبك ايضا