أخماتوفا… متلازمة المثقف وصناعة الرأي
علاء الخطيب
ماذا يعني أن تكون مثقفا؟ لماذا ينتظر المجتمع دورا من المثقف دون غيره؟ وهل الثقافة مسؤولية؟
هذه الأسئلة الوجودية هي أسئلة جوهرية تواجه كل المثقفين الأحرار، فالثقافة ليست مهنة، بل هي هم إنساني عام يحمله المثقف كرسالة، لذا حينما تساءلت ماذا يعني أن تكون مثقفا ببساطة شديدة يجيبني أحد الشعراء الروس فيقول: يعني فهما ً للأمور بتعمق كامل وتسليحا لذاتك بالرقة والحساسية وأن يعيش المبدأ في دمائك ويغتسل في عروقك، وبما أن المثقف، سواء كان شاعرا، مسرحيا، إعلاميا، أكاديميا، سينمائيا، تشكيليا أو أي فنان يتسلح بالفكر والمعلومة والقدرة على حمل المسؤولية والمواجهة، فالمجتمع يمنحه شرف التصدي للظلم. فالثقافة مسؤولية إنسانية وليست ترفاً فكرياً. فكم من المثقفين الأحرار في عالمنا هذا جعل حياته محطةُ مواجهةٍ مع الطغيان والظلم، من أجل أن يصنع رأيا إنسانيا أو يدافع عن فكرة تلامس حياة الناس.
نعرض هنا نموذجا للمثقف الذي يعتبر الثقافة هما ومسؤولية، إنها الشاعرة الروسية الشهيرة وأحد الأسماء الكبيرة في عالم الشعر الروسي، أنا أندريفنا أخماتوفا التي اشتهرت بمواجهتها الأسطورية لاستبداد جوزيف ستالين، فقد هاجمته وانتقدته بكل ما تحمل من قوة وشجاعة في قصائدها، ما دفع ستالين إلى سجنها سبعة عشر عاما، بعد أن اتّهمها بالترويج للانحلال البورجوازي. أعدم زوجها الشاعر نيكولاي غوميليف بعد اتهامه بالضلوع في مؤامرة لقلب النظام، واعتقل ابنها الوحيد ونفي إلى سيبيريا. بعد تلك الأحداث أصبحت اخماتوفا أسيرة للحزن والعزلة والصمت، وعانت من إقصاء وتجاهل زملائها من الشعراء والأدباء الروس.
أصبحت في ما بعد هدفاً للحزب الشيوعي الذي هاجمها بعنف واتّهمها بتسخير شعرها للترويج للإباحية والتصوّف واللامبالاة السياسية، وطردت في النهاية من اتحاد الكتّاب السوفييت.
تأمل عزيزي القارئ التهم الجاهزة التي تقدمها الأنظمة الديكتاتورية لمعارضيها، قلب نظام الحكم، الترويج للإباحية واللامبالاة السياسية، إنها تهم تثير السخرية والاستهزاء، وكأن ستالين كان إخوانياً متطرفا يدافع عن قيم السماء، هذه التهم في الوقت ذاته ومن حسن حظ المعارضين تخرج من أنظمة غبية ليسجل التاريخ إنسانية المعارضين وهمجية الديكتاتوريات.
كان نظام ستالين يعتبر اخماتوفا عدوّة للشعب وامتدادا للنظام القديم، يعني من جماعة النظام السابق (الفلول). وعلى عكس ما فعله العديد من زملائها الأدباء والشعراء الروس، فضّلت الشاعرة البقاء في روسيا على الذهاب إلى المنفى. كانت شعبيّتها كبيرة جدّا وتزداد يوماً بعد آخر لدرجة أن ستالين لم يكن يجازف بمهاجمتها علانيةً. عاشت حياة مليئة بالصعاب جسّدتها في أعظم قصائدها بعنوان «نشيد جنائزي». في هذه القصيدة تحكي أخماتوفا بإحساس عميق بالعجز واليأس، عن تجربة الشعب الروسي تحت حكم ستالين، خاصّة معاناة النساء اللاتي كنّ يقفن معها خارج أبواب المعتقلات بانتظار رؤية أزواجهنّ وأبنائهنّ. بعد وفاتها طارت شهرتها في الافاق أكثر وتُرجمت أشعارها إلى معظم اللغات الحيّة، واعتبرت إحدى أعظم الشاعرات في العالم يغلب على أشعارها التأمّل والحزن. رسم لها الفنان الأوكراني ناثان آلتمان بورتريه يُعتبر أحد أشهر الأعمال الفنّية العالمية. وفيه تبدو الشاعرة جالسة على أريكة ومرتدية فستانا أزرق بينما لفّت حول ذراعيها وشاحا أصفر.
ليست أخماتوفا الوحيدة التي نذرت نفسها للدفاع عن قيمها الإنسانية وعن وطنها، بل هناك الكثير من أمثالها كأحمد مطر ومظفر النواب وعبد الله البردوني وأبو القاسم الشابي ودعبل الخزاعي، وابن السكِّيت وغيرهم الذين يمكن تسميتهم بمثقفي الرفض، هؤلاء الذين صنعوا رأيا عاما وتيارا إنسانيا ً، فهم يفهمون الثقافة موقفاً ومسؤولية، فالثقافة وصناعة التنوير أي صناعة الرأي الإنساني متلازمة لا يمكن ان تنفصل عن المثقف.
٭ كاتب عراقي
