محمد صلاح ليس فرعونا! عربي لا يشبه العرب… فلاح مسلم وفقير يغير صورة أبطال الملاعب!
أما وقد أصبحت «أم راموس» أكثر حضورا من محمد صلاح في مقاهي مصر عشية نهائي دوري أبطال أوروبا، فإن المشهد أصبح أكثر اتساعا من الملاعب، والمباريات، وتجاوز الفضائيات والانترنت حتى وصل إلى قرن الفلفل: أفيخاي أدرعي، القنفذ الإعلامي، الذي يجيد التكوّر الشوكي في اللحظة الحاسمة، وهو يضع صورة لراموس لاعب مدريد على صفحته الشخصية في تويتر منذ العام الماضي، يحمل طفل جندي الاحتلال – وقد سماه باسمه – «هايل ستاوي» الذي قضى في عملية شبان الأقصى صيف 2017، في ذات الوقت الذي وضع صورة محمد صلاح مرفقة برمز تشجيعي، ليلعب مع الجمهور العربي على الحبلين: الاستفزاز والتشويه، فإلى أي حد نجح العرب بامتصاص الضربتين؟ وإلى أي مدى أخفق «الملائكة الساقطون» بسرقة البطولة من معبد الفرعون؟ ولماذا ينتصر صلاح على عروبته قبل أن يهزم خصمه؟ وهل كانت المباراة معركة استيراتيجية لأهداف حرب غير معلنة في الساحات الخضراء؟ ثم من هو سيرجيو راموس؟ ومن هو محمد صلاح؟ ما الفرق بين أبطالنا وأبطال أعدائنا؟ وهل تكفي حرب الصورة لإدانة الجريمة أم أن الجريمة لا تكفي لإدانة الإعلام!
أحمر شفاه
كل من حاول الاختباء من الكاميرا، سرق الأضواء، فالناشطون الإنكليز تهافتوا لنشر لقطات لفرحة زيدان الماكرة، وحرصه على إخفاء فمه أمام الكاميرات، خلال تعليقه على المجريات، متجنبا مترجمي الشفاه، مع تداول فيديوهات بتقنية التصوير البطيء لمحاولات متكررة من مدافعي الريال لعرقلة صلاح، بالإضافة إلى تعليقات تحليلية دقيقة ومحترفة، وأصوات حقوقية وإعلامية في إنكلترا، تطالب ليفربول بمحاكمة راموس، في الوقت ذاته، الذي سارعت فيه بعض المنابر العربية لتلقف الأخبار الزائفة: «صلاح هو من ابتدأ بالعنف المتبادل»! يا للهول!
المفارقة أن قناة «الجزيرة» الرياضية، أعربت عن مخاوفها من إصابة محتملة لمحمد صلاح، قبل أيام من المباراة، في لقاء مباشر معه من روما، أما عصام الشوالي فقد استحضر من الذاكرة حوادث شبيهة في كأس العالم، أدت إلى حسم المباراة لصالح الجريمة، ورغم أننا في شهر رمضان، إلا أن السُّباب والدعاء على خصم صلاح وسلالته بالسوء، لم يتوقف، بل اتخذ طابعا تنافسيا لإبداع المزيد من أدب الشتيمة، فهل تلوم العرب، أم تقول لأعدائهم: خَرْجْكُمْ!
القهر يتحول إلى نصر، فسرقة حلم صلاح والعرب بكأس العالم، وحلم الإنجليز بالدوري، انقلب على السارق، الذي لم ينل من كل التعاطف الالكتروني حول العالم، سوى « نكوشة أدرعي «! ولأن السوقية تلغي الذكاء، فلن تستغرب أن تنشر الصحافة الإسبانية خبرا عن محام مصري يطالب الاتحاد الدولي بتعويض قيمته مليار يورو، تذهب لصالح صندوق تحيا مصر، متهمة إياه بمحاولة لفت الأنظار، لأنها تدرك تماما أنه يُلقي طُعْما بحجم نخلة ضخمة، ليصطاد بلحة!
حسنا إذن، هي أبواق يتقاطر منها دم الجريمة، التي برع الانتهازيون باختطافها، لمكيجة تصريحاتهم، وكلها لا ترقى لعظمة المصريين وكبريائهم.. لأنها أحمر شفاه، يحول هؤلاء إلى مخنثين إعلاميين، أو متسولين فضائيين، يلمّون «النقطة» من المشاهدين، ليضعوها في بنك مصاصي الدماء!
استغلال مزدوج
أنت أمام نمطين متضادين من الاستغلال، فبعض العرب الفوضويين، يسعون لانتهاز بطولة محمد صلاح من أجل مصالحهم الشخصية، ويستغلون شهرته لملء جيوبهم الفاغرة وأشداقهم النهمة، مما يفاقم من انهيار القيم الوطنية ويشوه المشاعر القومية والعربية، ويخلخل أواصر الانتماء للنموذج، أو انتماء النموذج نفسه للجذور، علما بأن محمد صلاح ينتمي لفقره أكثر من شهرته، وهذا تحديدا ما ضاعف من ألقه، لأن أخلاقه دائما سبقت أهدافه، بحيث يُغَيّر تماما صورة بطل الملاعب المُرَفّه، والمدلل، والباذخ، مكتفيا بأساليب متواضعة، مقارنة بالسائد في عالم تحكمه لغة المال وإبهار الدولار، ومجددا الانتماء إلى نضاله في قريته الصغيرة (نجريج)، عبر مشاريعه الإنسانية، ولهذا تحديدا صدّق الإنكليز صلواته، وهتفوا له، بل إن هتافات جماهير ليفربول انتصرت على التعتيم الإعلامي، وأوصلت صلاح قبل أبناء جلدته – إلى مملكة الشمس، وهي ترى فيه بطلا شعبيا، لا بطلا معلبا في برج عاجي، أو قصر مدجج بالحراس والعسس، فكيف نجح صلاح بما فشل فيه الساسة ورجال الدين والجيوش والإعلام والفن والأدب، في وطن متوحش يأكل أبناءه، أو يطعمهم للغزاة؟!
هل كنا نحتاج إلى كل تلك الهزائم المريرة، كي نحظى ببطل استثنائي، لا يحمل سيفا ولا صاروخا، ولا حزاما ناسفا، ولا يرتدي عمة ولا عمامة، ولا يجر وراءه كتيبة مثنى وثلاث ورباع – أحدثكم بكامل ذكورتي – ولا يتملق خليفة أو سلطان، ولا يسيل لعابه لشقراوات الجنات المحرمة أو الغلمان؟!
لا يسهل أمر استفزازه، ولا يستفز الآخرين سوى بإنجازه، ذكي بصمته، مقتصد بصوته، سخي بعطائه، عنيد بإصراره، لا تعرف كيف يصبح هذا البطل المثالي، الممثل الوحيد لمن لا يشبههم ولا يشبهونه سوى في عروبة اللسان!
أما النمط الاستغلالي الآخر، هو النمط التكتيكي، و خبيث، فبينما يصنع الصهاينة أبطالهم، لتحسين صورة الجريمة، أو تجميلها مما يعلي من شأن احتلالهم ويشرعنه، يعززون انتماءهم للصورة المزيفة التي يروجونها كحقيقة وحيدة لهم، فهل نجحوا أم أن فشلهم هو الصورة الأكثر صدقا لكذبهم!
أثبتت مباراة الريال وليفربول، أن الحرب هي حرب سلوك، فراموس إشبيلي كاثوليكي عبراني، كما تدل وشومه على يده اليسرى التي تحمل صورة العذراء ونجمة إسرائيل، معبرة عن حركة «جوئتا» الإسبانية، التي تضم يهودا متحولين إلى الكنيسة الكاثوليكية، مع الإبقاء على روح ثقافتهم اليهودية وعاداتهم،،ضمن المذهب الكاثوليكي، فهل أضر به أدرعي عندما وضع صورته على صفحته في تويتر، لأنه برهن للعالم أن راموس يطور أدوات عنفه، بما يليق ويعبر تماما عن ثقافته الإسرائيلية؟
لا بد أن هذا المدريدي كان سينجح لو كان خصمه بطلا غير محمد صلاح، ولذلك تعاطف العالم مع دموع المصري المسلم، ولم تحظ دموع لاعبين آخرين في نفس الماتش بأية أهمية!
«فرعون إيه بس يا جدعان»!
لا تقل بطالمة ولا هكسوس ولا كهنة آمون، ولا ما يحزنون، الفرعون فرعون يا عم، ولكن الغريب في الأمر، أن الإنكليز يطلقون على صلاح الملك، بينما يصر المسلمون العرب على الفرعون، فهل هنالك جهل ما، أم أنها التناحة الدعائية؟
الفرعون، لقب ورد في التوراة ليعبر عن كل حاكم يحكم مصر، بينما هو اسم علم في القرآن الكريم، موجود في متحف اللوفر، فرجة وعبرة للسائحين، وأما الفرعونية فهي حضارة تعبر عن العبودية، أو البطش والطاغوت والسحر الأسود، فما علاقة محمد صلاح بالفراعنة؟ كيف نشوه أبطالنا من حيث ندري ولا ندري؟ ألا يغدو الذكاء فعلا، هو الحاسة الأجمل لتذوق الأفكار! والغباء هو القبح الفكري، الذي يصيب البعض بالخبل، والطرمنة، أم أننا في زمن تتبدل فيه القيم، والأشياء، والصور، والتاريخ، فما يدعو للخجل يصبح رمزا لا يستحقه سوى البطل؟ ويلاه يا أمة ضحكتْ!
لطالما تمنيت أن أكون معلقا رياضيا، لكن هذا الحلم كان مستحيلا، لأن المعارك الخضراء لم تكن بعد قد ضمت بطلا عربيا من الطراز الرفيع، مثل محمد صلاح حامد غالي طه، الاسم الذي يطلقه الآن الإنكليز على مواليدهم، أما اليوم فلست في حاجة لحلم لا يتحقق، ما دامت البطولة تجاوزت درج المخيلة ووسائد الصبا، لتحط رحالها في جنة الغزاة… ويا إلهي ما أجمل الغزاة!
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر
