نزاهة البحث العلمي ومؤشر الخطورة

أسماء الكنعان …..

 

في خطوةٍ غير مسبوقة لإعادة النظر في معايير التصنيفات الدولية للمؤسسات الأكاديمية والبحثية، صدر أخيراً مؤشر لقياس النزاهة البحثية، والذي يركِّز على الجودة الأكاديمية ومصداقية البحث العلمي، لا على الكم والكثرة. من بين 2000 جامعة شملها المؤشر، نجد العديد من الجامعات العربية على القائمة الحمراء والبرتقالية، أي في دائرة الخطر من حيث النزاهة البحثية، منها جامعات في المملكة العربية السعودية ومصر والعراق والأردن والمغرب وغيرها. قبل الحديث عن هذا المؤشر، أجريت مقابلة مع الأستاذ بالجامعة الأمريكية في بيروت، مبتكر «مؤشر قياس مخاطر النزاهة في البحث العلمي»،  د. لقمان محّو، لكي يكون ما أقدمه مبنياً على دراية وفهم لهدف ومنهجية هذا المقياس أكثر مما هو مجرَّد سردٍ أو نقدٍ أو استعراضٍ لهذه الأداة. أطلق د. لقمان، المهتم بالقياسات البيبليوميترية، هذا المؤشر بعد مسيرة مهنية امتدت لسنوات طويلة في مجال تقييم الأبحاث. يُعد العمل في مجال جمع وتحليل وتقييم المُخرجات البحثية للمؤسسات مسألة بالغة الأهمية، ليس فقط لتقييم الجودة، بل كعاملٍ أساسي للترقيات والتطور الوظيفي، ورفع تصنيف المؤسسة. لذلك، فإن الدقة مطلوبة لضمان الجودة والنزاهة، وهذا في الحقيقة يتطلَّب الكثير من الجهد والوقت، خصوصاً في ظل التسارع التكنولوجي وتكاثر المجلات ودور النشر المفترسة (predatory)، والتي تفتقر إلى الموثوقية والمصداقية العلمية. قام د. محّو بعدة دراسات كشفت عن ارتفاع مفرط في معدلات النشر لدى بعض المؤسسات، وصل في بعض الحالات إلى نحو 700 بالمئة، مقارنة بالمعدلات المحلية والدولية، إضافة إلى زيادة ملحوظة في الأبحاث التي يكون فيها الباحث الرئيسي والمراسل من داخل المؤسسة نفسها. وقد وثَّقت هذه الدراسات 14 حالة لجامعات لجأت إلى تضخيم إنتاجها البحثي بشكلٍ مصطنع لتحسين تصنيفها العالمي، مما دفع إلى تطوير هذا المؤشر كأداة تشخيصية لرصد الإفراط في الاستشهادات الذاتية، والكشف عن النشر في المجلات الضعيفة، وتحديد التجاوزات الأخلاقية التحريرية. ما هو مؤشر نزاهة البحث العلمي Research Integrity Risk Index RI²؟  يصنف المؤشر المؤسسات إلى خمس فئات، وفق درجة الخطورة المتعلقة بمصداقية أبحاثها العلمية. ويعتمد في ذلك على 3 معايير، أولها: معدَّل سحب المقالات من المجلات العلمية لكل 1000 منشور نتيجة التلاعب والانتهاكات الأخلاقية، وثانيها: معدَّل النشر في مجلات تم شطبها من قواعد بيانات Scopus وWeb of science، وأخيراً: معدَّل الاستشهادات الذاتية للمؤسسة مقارنة مع المؤسسات النظيرة لها. ويطرح المؤشر مجموعة من التوصيات لتحسين مستوى البحث العلمي، ومن أبرزها تعزيز النزاهة في عملية التوظيف عن طريق مراجعة الإنتاج البحثي للمرشحين. وبما أن المؤسسات تستثمر الوقت والموارد المالية لدعم الباحثين ووضع السياسات وتوفير المساعدين والبرامج المختصة، فمن الضروري توفير التوعية اللازمة في هذا المجال، خصوصاً للباحثين الجدد والذين هم في بداية مسيرتهم الأكاديمية والبحثية.  ولا يهدف هذا العمل إلى الملاحقة أو الإضرار بسُمعة المؤسسات، بل لحمايتها من أي ضررٍ مُحتمل، والتنبيه إلى مؤشرات الإنذار المبكرة.  تتمثل الرسالة الأساسية هنا في أن التنافس الحقيقي والمستدام لا يتحقق إلا على أساس من المصداقية والنزاهة. يبقى التساؤل المطروح هو ما إذا كانت أي من الجهات الرسمية والمعنية بالبحث والتقييم ستتبنَّى هذا المقياس وتعتمده ضمن منظومة المقاييس المعمول بها.

الكاتبة من الكويت

قد يعجبك ايضا