النّازيون الجدد ومتطرفو اليمين خرجوا من جحورهم… صانعة أفلام مسلمة تكشف عن الشخصيات المهتزة وراء أيديولوجيا الكراهية
لم تجلب الأزمة المالية العالميّة 2008 إفلاساً وبطالة وبؤساً فحسب، بل هي استجلبت غضباً اعتمر قلوب ملايين البشر في الغرب الذين كفروا بأنظمة حكم بلادهم وباتوا مستعدين لدعم أي تغيير سياسي للأوضاع القائمة يُخرجهم مما هم فيه من ضنك العيش.
في مثل هذه الأجواء القاتمة تصاعدت موجة احتجاج تزعّمتها قيادات شعبويّة لا تتوفر على حلول سحريّة أو واقعيّة وإنما خلقت لليائسين عدواً سهلاً يمكنهم تفريغ حقدهم فيه: الأجانب والأقليّات المسلمة واللاجئون من الشرق الأوسط وأفريقيا. هذه المناخات دفعت تيارات اليمين المتطرف والفاشيين والنازيين الجدد إلى الخروج من جحورها التي كانت اعتصمت بها طوال عقود منذ سقوط حكم الرايخ الثالث نهاية الحرب العالميّة الثانية عام 1945.
إنتقل هؤلاء من التجمعات الخاصة والأنشطة الجانبية المحدودة إلى قلب السياسة في عدة بلدان على جانبي الأطلسي، فأصبحوا كتلاً وازنة في البرلمانات ومجالس الحكم المحلي في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا وهنغاريا والدنمارك وهولندا والنمسا وبريطانيا، وتمكنوا من استلام السلطة فعلياً في بعضها، وكانوا وراء الأغلبيّة التي صوتت على استفتاء البريكست البريطاني لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي، قبل أن يتحقق انتصارهم الأكبر في إيصال دونالد ترامب الشعبوي النرجسي إلى منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكيّة.
التطرف وعداء الأجانب ظاهرة ليست بجديدة على الغرب الذي بنى حضارته المعاصرة على العنصريّة واتخاذ العبيد واحتقار الأمم الأخرى. وليست إيديولوجية الجيل الجديد من النازيين ومتطرفي اليمين إلا ثمرة هذا الزّرع العتيق الآثم في آخر جناها، وهي أيديولوجيا لا تكتفي بكراهيّة الآخر بل وتدفع المجتمعات نحو استقطابات وانقسامات حادة إذ أنها تستدعي بالضرورة مشاعر سلبيّة مضادة في قلب ذلك الآخر الذي سيجد نفسه مستهدفاً بسبب لونه أو عرقه أو دينه (المفترض).
ضيا خان: هكذا تكون الأفلام الوثائقيّة أو لا تكون
تلفزيونياً أُنجزت عشرات الأفلام الوثائقيّة بلغات عدّة لتسجيل هذه الظاهرة واستكشافها، وبعضها أنجزها مخرجون وصانعو أفلام مشهورون، لكن معظمها وقع في فخ إعادة قراءة أيديولوجيتهم أو إعطاء الفضاء لهم لتقديم صورتهم كما يرغبون هم بأن يراهم المجتمع: غاضبون وعازمون على تغيير العالم بالقوّة. لكن مخرجة مسلمة جريئة، تعمل وحيدة دون دعم من مؤسسات إعلاميّة ضخمة أو محطات تلفزيون معروفة نجحت في أخذنا إلى ما وراء الأقنعة المتجهمة لهؤلاء لنتعرف على طبيعة الشخصيات التي تعتنق هكذا أيديولوجيات متطرفة ومآزقها النفسيّة والاجتماعيّة التي أسقطتها في مستنقعات الكراهيّة من خلال فيلمها الوثائقي التلفزيوني (اليمين الأبيض: تفضل بمقابلة العدو) والذي حاز على جوائز عالميّة وعرض على واحد من أهم التلفزيونات البريطانيّة (أي تي في)، قبل أن تتطرحه نيتفليكس مؤخراً لجمهورها العالمي.
هي البريطانيّة ضيا خان (ديا خان كما تكتبها بلغتها الأم) المنحدرة من أم أفغانيّة وأب باكستاني وتحمل جنسيّة النرويج حيث ولدت وترعرعت في عائلة مسلمة تحاصرها يومياً نظرات و ربما شتائم العنصريين من ذوي البشرة البيضاء في أوسلو. خان التي دخلت إلى عالم الأفلام الوثائقيّة عندما استفزتها جريمة الشرف البشعة التي حدثت في بريطانيا وراحت ضحيتها بناز محمود (20 عاماً) الصبيّة الكرديّة العراقيّة على يد عائلتها لاتهامها بترك زوجها لأنها أحبت رجلاً آخر. حملت خان عندها كاميرتها وسجلت كل ما استطاعت من مقابلات ووثقت الأماكن والشخصيات والأحداث، وعلّمت نفسها تحرير المادة الفيلميّة التي أرادت منح حق عرضها مجاناً للجمعيّات النسويّة المدافعة عن المرأة قبل أن يقع في يد مدير وثائقيّات تلفزيون «أي تي في» الذي وجده مثيراً للاهتمام وصوتاً مختلفاً، وليفوز بعدها – بناز: قصة حب – بجائزة الإيمي لأفضل فيلم وثائقي عالمي عن الأحداث الجارية.
مواجهة الخوف بالفهم: تفضلوا بمقابلة العدو
(اليمين الأبيض: تفضل بمقابلة العدو) هو الفيلم الرابع لخان. وقد جاءت فكرته نتيجة تعرضها شخصياً لهجمات كثيفة من المتطرفين اليمينيين الذين هددوها بالاغتصاب والتعذيب والقتل لأنها قالت في مقابلة لها على تلفزيون «بي بي سي» أنها تعتقد بأنه حان الوقت على ذوي البشرة البيضاء التوقف عن حلمهم في يوتوبيا بريطانية نقيّة عرقيّاً ومواجهة الواقع الذي يحتّم تظافر الجميع بغض النظر عن أصولهم ومنابتهم في العمل على غد أفضل للجزيرة.
خان المعتادة على الشتائم العنصريّة بوصفها مسلمة نسويّة عالية الصوت لا تقبل بالتهميش أو النظرة الدونيّة لم تشعر بالقلق والخوف قدر ما وجدت في تلك التهديدات دعوة لعقلها الفضولي أبداً ليبحث في دواخل البشر الذين يوجهون مثل تلك التهديدات وأيّة عمليّة فكريّة تدفعهم إلى أحضان الكراهية ضد كل من ليس مثلهم. فكان فيلمها التلفزيوني الذي أرادت فيه مواجهة هؤلاء والجلوس معهم على ذات الطاولة واستيضاح دوافع العدواة التي يحملونها.
سافرت خان إلى الولايات المتحدة وقابلت عدداً من زعماء النازيين الجدد وأفرادهم في مقابلات شخصيّة، وحضرت بعضاً من تجمعاتهم بما فيها استعراض تشارلوتسفيل الذي تحول إلى خبر عالمي بعد مقتل أحد الناشطين المعادين للفاشيّة في المكان. نازيو أمريكا الجدد هؤلاء الذين قابلتهم خان لم يكونوا يحملون بنادق وسكاكين فحسب عند حضورهم لهذه التجمعات، بل هم حضروا أيضاً بأسلحة متوسطة يمكن رؤيتها فقط في مناطق النزاع.
الفيلم الذي عادت به من هناك مثير للاهتمام بالفعل. فهو يكشف عن مآزق نفسيّة وانكسارات وخوف وشخصيات مهزوزة وحاجة ماسة للانخراط في قضيّة جماعيّة وراء ادعاءات القوّة والعدوانيّة، وأن أغلبهم يشعر بأنهم ضحيّة مستهدفة وما يقومون به هو نوع من مقاومة تستهدف إصلاح المجتمع. وهي بالمناسبة تتطابق – مع اختلاف المشهد والعدو المستهدف -ودوافع المسلمين الأوروبيين الذين تركوا الغرب للالتحاق بالقتال مع داعش في سوريّا والعراق والذين تحدثت إليهم خان في فيلمها السابق (جهاد) و هم بدورهم عاشوا نوعاً من الاغتراب وكانوا مفتقدين إلى الشعور بالانتماء لأحضان قضيّة يساهمون من خلالها في إصلاح المجتمع!
يجب أن نقلق: هكذا يسقط الشبان في مستنقع الكراهيّة
(اليمين الأبيض: تفضل بمقابلة العدو) وثائقي تلفزيوني من النوعيّة التي تدفع مشاهدها إلى القلق. لقد أرتنا خان تلك السّهولة التي يمكن لصنّاع أيديولوجيا الكراهيّة من أجهزة ومنظمات مشبوهة اصطياد أمثال تلك الشخصيّات غير المستقرّة ذهنيا ونفسيا وتحويلها إلى جنود يعبّرون عن أشواقهم بالغد الأفضل من خلال العنف والقتل فيخدموا أجندات مشبوهة بينما يظنون – دائماً – أنهم يحسنون صنعاً. وبالطبع لا يغيب عن الذّهن هنا ذلك الانتشار الانشطاري لأدوات التواصل الاجتماعي الحديثة التي فتحت مساحات غير مسبوقة في التاريخ لتجنيد التائهين على نطاق واسع وبأقل التكاليف.
صانعة الأفلام المبدعة ضيا خان – ذات التوجهات الليبراليّة سياسياً – لم ترد من مشاهدها في فيلميها سواء عن الجهاديين أو عن النازيين الجدد التعاطف مع تلك الشخصيّات المتأزمة بقدر ما أرادت الكشف عن ذلك الاغتراب النفسي الذي يعيشه شباب الغرب – والعالم – ويدفع بهم لقماً سائغة في توجهات سياسيّة دافعها الكراهيّة، وهو اغتراب يأتي نتيجة تلقائيّة محتمة لبنية النظام العالمي في الرأسماليّة المتأخرّة، حيث البشر هم مجرد مستهلكين وموارد بشريّة لخدمة ماكينة الربح التي لا تتوقف عن الدوران لمصلحة فئة قليلة.
(اليمين الأبيض: تفضل بمقابلة العدو) رسالة بليغة لكل صانعي الوثائقيّات والقائمين على عرضها في محطات التلفزيونات العربيّة جميعها. تفضلوا أنتم أيضاً بمقابلة الواقع.
إعلامية لبنانية تقيم في لندن
