الأنسان كمحور للبناء الفوقي والتحتي

د.ردينة العطي 

في هذا المقال لن أتطرق الى ما يجري بالجنوب السوري من الزاوية السياسية أعني الأسباب الحقيقية وراء التصعيد في الجنوب السوري وهل هناك توافق دولي و إقليمي حول آليات وحدود وأدوات التصعيد العسكري من قبل الحكومة السورية وحلفائها في الجنوب؟ فهذه مسألة معقدة وتتطلب كشف بعض الأوراق وكشف ما يدور خلف الكواليس الأبواب الموصدة. لكنني في هذا المقال سأخذ البعد الإنساني الذي تم ترجمته من قبل الأردن قيادتنا حكومتنا وشعبنا من خلال ما أتخذته من إجراءات لتخفيف العبىء عن الأخوة السوريين من خلال آلية جديدة في التعامل مع اللاجئين. فقد أتخذ الأردن موقفا واضحا بأنه لن يستقبل أي لاجئ سوري على الأراضي الأردنية والسبب معلن وواضح ، وهو أن الأردن قد وصل حد الأشباع وسقف القدرة في تعامله مع مسأله اللجوء، ولذلك أتخذ قرار بأن يضع كل العالم أمام مسؤولياته لمواجهة أزمة اللجوء الجديدة ، ضارب نموذج استثنائي من خلال العمل على التعامل مع المشكلة الإنسانية على الأراضي السورية رغم ما تعرض له الأردن من ضغوط دولي من أجل احتواء هذا اللجوء لكن الحكومة الأردنية أصرت على موقفها .وبدأت تتخذ إجراءات تعبر عن حرصها على كرامة و هوية الإنسان السوري من خلال إطلاق مبادرة رئيس الوزراء لدعم الأشقاء السوريين وأتخاذ إجراءات تضمن إيصال المساعدات لهم على الأراضي السورية محملة الأمم المتحدة والدول الفاعلة في الأزمة لسورية خاصه ودول العالم عامة مسؤولية إدارة الأزمة ضمن الشروط الأردنية أنفة الذكر . إن اللافت للنظر إن هذا التحول في التعامل مع اللجوء لم ينعكس على وعي الشعب الأردني بأن يعمل على تصعيد ضد اللاجئين وذلك لأن الشعب الأردني و ثوابته الأخلاقية والقيمية والإنسانية لا يمكن ان يبعد بنفسه عن أزمة الشعب العربي السوري في درعا ومحيطها ، ولذلك فقد دعم الإجراءات و القرارات الحكومية بعدم استقبال اللاجئين لأنه يعتبرها قضية تخص الأمن القومي الأردني. من هنا لم ترى حتى مواقع التواصل الإجتماعي أي تجيش ضد اللاجئين كما تعودنا أن نراه بشكل دائم على شاشات الفضائيات في أغلب دول العالم. إن هذا الوعي الاستثنائي والإنساني والتمسك بالقيم الحضارية لديننا الحنيف في إغاثة الملهوف ونصرة الضعيف يعبر عن توحد غير مسبوق بين الملك وشعبه ليس فقط زاوية النهوض التنموي والسياسي إنما أيضا في بعده الإنساني رغم ما يعانيه شعبنا العظيم من أزمة اقتصادية طالت كل بيت نتيجة أزمات المنطقة. أن ذلك كان واضحا عندما قدمت إحدى أعرق المؤسسات الدولية ذات الاهتمامات الإنسانية وهي مؤسسة جون تمبلتون جائزتها لجلالة الملك للعام 2018 تقديرا لجهوده في تحقيق الوئام بين الأديان وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وحماية الحريات الدينية قائلة ان جلالته “مستمر منذ توليه مسؤولياته ملكا للأردن ببذل جهود تحقيق الوئام داخل الإسلام وبين الإسلام وغيره من الأديان، وأنه لم يسبقه في هذا المضمار أي زعيم سياسي آخر على قيد الحياة. والذي هو جزء لا يتجزأ من ثوابت الشعب الأردني منذ إطلاق ثورته الكبرى حتى يومنا هذا. لقد قدمت هذا الجائزة للجلالة قبل أن تتصاعد الأزمة الأخيرة في الجنوب السوري فالأردن يعتبر نموذجا استثنائيا من بين كل دول العالم في معالجته الإنسانية والاجتماعية والثقافية للاجئين ولذلك لا يمكن لمراقب محايد أو حتى معارض إلا أن يقف أمام هذا التكامل والتناغم والتماسك والثوابت الإنسانية التي تربى عليها جلالة الملك والشعب الأردني والذي يطلق عليه مواطنيه لقب” النشامى والنشميات ” و هو تعبير عن الاستعداد الدائم لتقديم العون والدعم للملهوف . هذا الامتداد الأخلاقي والإنساني من أصغر نشمي الى رأس النظام السياسي جلالة الملك انعكس مباشرة على الشعب الأردني من خلال مبادرات مدنية أهلية واجتماعية تزاحمت لإغاثة الاخوة السوريين في موجة اللجوء الأخيرة . أن هذا التكامل في بعده الإنساني المحض قد اثلج صدور كل المنظمات الإنسانية الدولية لأن الأنسان بغض النظر عن مرجعياته هو محور رسالة الهاشمين والنخوة العربية والإنسانية الأصيلة هي جزء من الغذاء الثقافي وركيزة من ركائز بنائه الفوقي و ثوابته . إن هذا المصادفة الزمنية و التي جمعت تكريم جلالة الملك دوليا لدوره الإنساني العالمي و تلك الركائز لشعبنا العظيم هو ما يجعل من الأردن بدئا من بنيته الثقافية التحتية وصولا الى بنيته الفوقية بكل فسيفسائه متوحدا في الوعي واللاوعي الجمعي المتراكم على مر السنين والذي جعل من الأردن نموذجا في تطبيق مقولة جلالته لنجعل من كل ازمة فرصة 

قد يعجبك ايضا