فادي السمردلي يكتب عمال المياومة بين الحاجة وغياب الأمان الوظيفي
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
في كل صباح، تبدأ حكاية آلاف الأردنيين الذين يعيشون على هامش الاستقرار فبعضهم يقف على الأرصفة في مناطق معروفة بانتظار فرصة عمل في البناء أو التحميل أو الزراعة، وبعضهم الآخر يتجه إلى مكان عمل منتظم داخل شركة أو مطعم أو ورشة أو مؤسسة، لكنه رغم ذلك لا يمتلك عقدًا واضحًا ولا ضمانًا اجتماعيًا ولا أي حماية قانونية حقيقية فهؤلاء جميعًا يشتركون في واقع واحد، ويُعرفون باسم عمال المياومة.
غالبًا ما تُختصر صورة عمال المياومة في أولئك الذين ينتظرون على الشوارع بحثًا عن رزق يومي، لكن هذه الصورة لا تعكس الحقيقة كاملة. فهناك آلاف العمال الذين يعملون داخل منظومات منظمة ظاهريًا، يلتزمون بساعات دوام محددة، ويؤدون مهامهم اليومية بانتظام، لكنهم في الواقع يعملون دون عقود رسمية، ودون شمول في الضمان الاجتماعي، ودون أي ضمان لمستقبلهم الوظيفي ويمكن الاستغناء عنهم في أي لحظة، ويمكن تأخير أجورهم أو الانتقاص منها دون أن يكون لديهم القدرة على الاعتراض والفرق الوحيد بينهم وبين العامل الذي يقف على الرصيف هو أن معاناتهم أقل وضوحًا للناس، لكنها لا تقل قسوة.
المشكلة الأساسية التي يعاني منها عمال المياومة هي غياب الأمان الوظيفي فالعامل يعيش في قلق دائم هل سيستمر العمل غدًا؟ هل سيحصل على أجره كاملًا؟ ماذا لو مرض أو تعرض لإصابة؟ هذا القلق المستمر لا يؤثر فقط على العامل نفسه، بل ينعكس أيضًا على أسرته، وعلى شعوره بالكرامة والاستقرار فالحياة تتحول إلى معركة يومية من أجل البقاء بدل أن تكون رحلة طبيعية نحو تحسين الواقع.
وتزداد المعاناة مع الظروف الاقتصادية الصعبة فارتفاع الأسعار، وتزايد متطلبات الحياة، وتراجع فرص العمل المستقرة، كلها عوامل تجعل عمال المياومة الفئة الأكثر هشاشة في المجتمع فهم يعملون كثيرًا، لكن دخلهم لا يكفي لتغطية احتياجاتهم الأساسية، ولا يسمح لهم بالتخطيط للمستقبل وأي طارئ بسيط، مثل مرض أحد أفراد الأسرة أو توقف العمل لعدة أيام، قد يؤدي إلى أزمة حقيقية داخل البيت.
ولا تقف آثار هذه المعاناة عند حدود العامل فقط، بل تمتد إلى أسرته وأطفاله فعدم استقرار الدخل يؤثر على تعليم الأبناء، وعلى قدرتهم على الحصول على رعاية صحية مناسبة، وعلى شعورهم بالأمان وبعض الأطفال يضطرون إلى ترك المدرسة مبكرًا لمساعدة أسرهم، مما يخلق حلقة مستمرة من الفقر والحرمان تتكرر من جيل إلى آخر.
أمام هذا الواقع، يبرز دور الحكومة باعتباره عنصرًا أساسيًا في أي حل حقيقي فمن واجب الدولة تطوير وتفعيل التشريعات التي تنظم سوق العمل بما يضمن حقوق جميع العمال دون استثناء، سواء كانوا يعملون بعقود دائمة أو بنظام المياومة كما أن الرقابة الجادة على أصحاب العمل ضرورية لمنع تشغيل العمال دون عقود أو التهرب من شمولهم في الضمان الاجتماعي وإضافة إلى ذلك، يفترض بالحكومة أن توفر برامج حماية اجتماعية للفئات الأكثر هشاشة، مثل التأمين الصحي المدعوم، وبرامج دعم مؤقت للعاطلين عن العمل، وفرص تدريب وتأهيل تساعد عمال المياومة على الانتقال إلى وظائف أكثر استقرارًا.
ومن المهم أيضًا أن يكون لعمال المياومة صوت مسموع في النقاش العام حول السياسات العمالية فهم الأقدر على التعبير عن واقعهم الحقيقي، وإشراكهم في الحوار يمكن أن يساهم في بناء حلول واقعية بدل الاكتفاء بالمعالجات الشكلية.
في جوهر الأمر، عمال المياومة لا يطالبون بالمستحيل فهم يطلبون حقوقًا أساسية عقد واضح، أجر عادل، شمول في الضمان الاجتماعي، ومعاملة تحفظ كرامتهم الإنسانية وهذه المطالب ليست ترف، بل حقوق بديهية لأي إنسان يعمل ويجتهد.
في النهاية، تبقى قضية عمال المياومة في الأردن بين الحاجة وغياب الأمان الوظيفي مرآة تعكس واقعًا اجتماعيًا يحتاج إلى وعي حقيقي وإرادة جادة للتغيير. فالمجتمع الذي يتجاهل معاناة أضعف فئاته، يهدد توازنه وعدالته وحماية كرامة الإنسان يجب أن تكون أولوية، لا خيارًا مؤجلًا.
الكاتب من الأردن