فادي السمردلي يكتب: الأردن أولاً… والتعاطف مع القضايا لا يكون على حساب الوطن

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

لا أحد يملك قلباً حياً يمكنه أن يرى المآسي في العالم العربي أو في أي مكان آخر ثم يشيح بوجهه وكأن الأمر لا يعنيه فالتعاطف مع الشعوب المظلومة موقف إنساني طبيعي، والوقوف مع الحق قيمة أخلاقية لا تحتاج إلى تبرير فنحن أبناء هذه المنطقة نحمل في وجداننا الكثير من القضايا والآلام المشتركة، ونشعر أن ما يحدث حولنا يمسنا بطريقة أو بأخرى ولكن وسط هذا الضجيج العاطفي كله، يجب أن تبقى هناك قاعدة ثابتة لا تتغير الأردن أولاً.

الأردن بالنسبة لي ولكل المنتمين الحقيقين له ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، ولا عبارة تُكتب على وسائل التواصل فالأردن هو البيت، وهو الأمان، وهو الأرض التي لم تتخلَّ عنا يوماً عندما انهارت دول حولنا وتحولت إلى ساحات فوضى ودمار ومن عاش في هذه المنطقة يدرك تماماً معنى أن يكون لديك وطن مستقر، دولة قائمة، ومؤسسات تحميك فهذه ليست أموراً عادية كما يظن البعض بل هي نعمة لا يشعر بقيمتها إلا من فقدها.

ولهذا السبب تحديداً، يصبح من غير المقبول أن يأتي أحد ليطلب منا أن نضع الأردن في المرتبة الثانية أو الثالثة تحت ضغط العواطف أو الشعارات فالتعاطف مع القضايا لا يعني أن نضع وطننا على طاولة المقايضة، ولا يعني أن نسمح لأي خطاب أو موقف أن يعبث بأمن بلدنا أو استقراره لأن الحقيقة الواضحة التي لا يحب البعض سماعها هي أن الوطن إذا ضعف، خسر الجميع.

الأردن عبر تاريخه لم يكن بلداً أنانياً أو منعزلاً على العكس تماماً، كان دائماً في قلب القضايا العربية والإنسانية فقد فتح أبوابه للاجئين عندما أغلقت الحدود في وجوههم، وتقاسم لقمة العيش مع من ضاقت بهم أوطانهم وقف سياسياً وإنسانياً مع قضايا كثيرة، ودفع أثماناً اقتصادية وسياسية بسبب مواقفه ولكن رغم كل ذلك، بقي الأردن حريصاً على شيء أساسي بأن تبقى مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

المشكلة اليوم أن بعض الأصوات تتعامل مع القضايا وكأنها مسابقة في رفع الشعارات فكلما كان الشعار أعلى وأشد حدة ظنوا أنهم أكثر وفاءً للقضية ولكن الحقيقة أن الصراخ لا يصنع مواقف حقيقية، والمزايدات لا تحمي الأوطان فأسهل شيء في هذا الزمن أن تكتب كلمات غاضبة أو تطلق شعارات ثورية، لكن أصعب شيء هو أن تتحمل مسؤولية بلد كامل يعيش في منطقة مليئة بالتحديات.

هناك فرق واضح بين التعاطف المسؤول وبين التهور العاطفي الغبي فالتعاطف المسؤول يعني أن تقف مع الحق، وأن تدافع عن القضايا العادلة، لكن دون أن تسمح بأن يتحول ذلك إلى عبىء على الأردن أو تهديد لاستقراره أما التهور العاطفي الغبي فهو أن تنجرف خلف الانفعالات دون أن تفكر في النتائج، وكأن الوطن مجرد تفصيل صغير يمكن التضحية به.

الأردن ليس تفصيلاً في حياتنا فالأردن لابناءه هو الأساس الذي يقف عليه كل شيء فعندما يكون الوطن مستقراً وقوياً، نستطيع أن نرفع صوتنا وأن ندافع عن القضايا التي نؤمن بها وأما عندما يضعف الوطن أو ينقسم أهله، فلن يبقى هناك صوت ولا موقف ولا قدرة على نصرة أحد.

ولهذا أقولها بوضوح لا يحتمل الالتباس الأردن بالنسبة لي ولشرفاءه أولاً وأخيراً، وما بينهما أيضاً فهذه ليست عبارة عاطفية، بل موقف واضح. لأن أي شيء يمس الأردن، قريباً كان أو بعيداً، لا يمكن القبول به أو تبريره فالقبول بذلك ليس مجرد خطأ في الرأي، بل خيانة لمعنى الوطن نفسه.

من حق أي إنسان أن يتعاطف مع القضايا العربية والعالمية، بل من الواجب أن يبقى ضمير الإنسان حياً تجاه الظلم ولكن في اللحظة التي يُطلب فيها منك أن تدفع ثمن هذا التعاطف من استقرار وطنك أو أمنه أو وحدته، فعليك أن تتوقف فوراً وتعيد ترتيب الأولويات.

الأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تُحمى بالعواطف وحدها فالأوطان تُحمى بالوعي، وبالإدراك أن هذا البلد الصغير في حجمه الكبير في معناه هو خط الدفاع الأول عن حياة أبنائه وكرامتهم ومن لا يفهم هذه الحقيقة، لم يفهم بعد معنى أن يكون للإنسان وطن.

لذلك ستبقى القاعدة واضحة وبسيطة نتعاطف مع القضايا، نعم. نقف مع الحق، نعم. لكن عندما يتعلق الأمر بالأردن، فلا مجال للتردد أو المساومة فالأردن أولاً… ودائماً. 🇯🇴

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا