رواية «حمام الدار» لسعود السنعوسي: سرد مفكك وتجاهل للزمان والمكان
دلال محمد جرخي
تقول الروائية التركية إليف شفاك: «عندما ننغمس في رواية جيدة، نترك مساكننا الحميمية الضئيلة خلفنا ونرحل مع الشخوص الخيالية للرواية، نجدُ أنفسنا نتعرّف إلى أناسٍ لم نقابلهم قط أو أننا كرهناهم حتّى، واعتبرناهم أعداء».
يحاول بعض الروائيين أن يقدموا محتوى جديدًا وبنية غير مألوفة في روايتهم من خلال التجريب، فيستجمع الروائي كل قواه وأفكاره ليشكل لنا نصًا فريدًا يستمتع القارئ به، أو ربما يستهجنه وينبذه. ففي رواية «حمام الدار.. أحجية ابن أزرق» للكاتب سعود السنعوسي الصادرة عن الدار العربية للعلوم، قسمت الرواية إلى فصلين: «نصٌّ لقيط» يدور في زمنٍ قديم، و«نصٌّ نسيب» يدور في زمنٍ حديث، وأهم شخصيتين في الرواية هما عرزال وعنوان. كل فصل يبدأ بصباحات بمثابة الأجزاء، وهذه الصباحات مصحوبة بلوحات معبّرة للفنانة «مشاعل الفيصل» تعكس ما يدور في هذه الصباحات من أحداث. تظهر الشخصيات في اللوحات بشكلٍ كئيب وحزين وألوان باردة تنعكس على المتلقي وتتناسب مع النص ذاته، وأصبحت هذه اللوحات بمثابة المساحة الحرة التي يستطيع القارئ من خلالها أن يفكر بالأحداث التالية. سأتناول في هذا المقال السرد في الرواية، وتحليل أهم شخصيتين فيها.
سردٌ حر
«أن ترى كل شيء لا يعني أنك تعرف أيَّ شيء ولا يعني أنك قادرٌ على فعل شيء»
يتحدى السنعوسي القارئ في هذه الرواية من خلال السرد الذي يخالف أسلوبه السردي في رواياته الأخرى، فسرده مفكك وغير مترابط، بل أن الشخصيات هي التي تجعل الرواية متماسكة، إلى جانب تجاهل الزمان والمكان واكتفى بإشارات بسيطة تدل عليهما. لم تسر الأحداث بشكل منظم ومرتّب مما يشوش عقل القارئ، فيتوه بين الراوي العليم والأصوات الداخلية في الرواية، مما يجعل من قراءته مملة بعض الشيء ومربكة بل وربما مستفزة وقد تؤثر على نفسيته، وقد يضطر البعض إلى مراجعة الصفحات حتى يربط الأحداث ببعضها. تعتبر تجربة السنعوسي المختلفة والجديدة كليًا عن أسلوبه المعتاد تجربة جريئة وشجاعة وصادمة، فالتعقيد واضح من الصفحات الأولى، وربما أراد أن يسلك طريق التعقيد ليبين عمق أفكاره، ولكنه فقد الحبكة وقوتها وأثرها على القارئ من خلال سرده المفكك.
على الرغم من لغة السنعوسي المبهرة التي تطورت عن رواياته السابقة، إلا أن الرواية كئيبة ومملة بعض الشيء، خصوصًا في العهد القديم تكاد تكون الأحداث معدومة ورتيبة؛ إلى جانب تكرار جملة «حمام الدار لا يغيب وأفعى الدار لا تخون»، وروتين عرزال في إعداد قهوته ومراقبة عش الحمام من نافذته، وبصقة بصيرة التي تثير الغثيان. لم يكن لهذا التكرار دور مهم في تصعيد الأحداث في النهاية، يذهب كل إيمانك مع الريح، فحمام الدار يغيب وأفعى الدار تخون.
تزدحم الرواية بالرموز مثل اللون الأزرق، فيروز، بصيرة، رحّال، قطنة، ولكل من هذه الرموز دلالة معينة تخدم النص وتتناسب معه، ولعل أبرز هذه الرموز هو اللون الأزرق الحاضر في النص بقوة فهو لون السماء والبحر ويدل على الحزن والألم والتشاؤم والخوف والاضطراب في الرواية، ويتناسب هذا اللون مع شخصية عرزال ومنوال؛ أما الحمام فهو رمز الفقد، فقد الأم، والأب، والأحبة.
عرزال
يعاني عرزال في طفولته من والده أزرق سريع الغضب، ولم يتوافق مع والده حتى عندما كبر. « يتذكر عرزال الكهل نفسه صغيرًا. في الرابعة أو الخامسة يُداعبه أبوه يلقيه عاليًا. تصيح أمه خشية أن يقع. انتبه يا أزرق.. سوف يقع الصغير! يبكي الطفل فزعًا. يصرخ أزرق غاضبًا. يصيح بزوجته؛ ولدك جبان…»، لقد كان عرزال الابن الذي لا يليق بأبيه، فهو جبان وخائف على الدوام وابن أمّه، مما جعل أزرق يلجأ لتهديد عرزال حتى ينصت ويستمع لكلامه. مرحلة الطفولة هي التي تشكل وتبني الهوية الشخصية لدى الفرد، عاش عرزال طفولته وهو في خوفٍ دائم من أبيه «… أنا عرفت الخوف مبكرًا، عرفته في السماء، عرفته في البحر،عرفته في والدي»، وكانت هذه الطفولة المليئة بالخوف الأثر البالغ في تكوين شخصيته القلقة والخائفة، فلم يستطع التخلص من ترسبات هذه المرحلة. شكّل النص المعلن الوعي لدى عرزال، الوعي بالنسبة لسيغموند فرويد هو ما نفكر به من أمور بطريقة واعية مدركين لها وهذا هو عمل الذات الواعية المدركة والمضمون الخفي الذي يتمثل في تقنية الفلاش باك مع اللاوعي حيث يتذكر طفولته وقسوة أبيه وخوف أمه، واللاوعي يعبر عن الرغبات الكامنة والمكبوتة في النفس الإنسانية وهو من الدوافع والرغبات الداخلية الكامنة وتظهر بطريقة رمزية من خلال الأحلام أو زلات اللسان أو استحضار المواقف.
منوال
شخصية منوال غارقة في التنبؤات والأحداث الخيالية والذهول العاطفي. طفولة منوال أيضًا كانت صعبة، فوالده كان يقصيه ولم يعطه أي اهتمام، قرر والده أن يهاجر هو وأخوة منوال الأربعة ويتركه ووالدته بدون سبب وسط ذهول منوال من تصرف والده هذا الذي لا يعرف دوافعه. بعد أن هاجر والده، أصبحت والدته في حالة صمت دائم، تعبت ومرضت ولم تكن تقوى على الوقوف، شكلت وفاة والدة منوال صدمةً أخرى بالنسبة له. كانت طفولته قاسية، حيث أبعد عن أخوته وظل يرافق صمت أمه وسط حضور والده المتقطع وانتظاره لأخوته. مشاعر منوال كانت دائمًا سلبية، فهي مشاعرمسيطرة وغير واعية كالخوف والارتباك والوسوسة، فبمجرد أن يكون الإنسان في حالة من الكبت ونكران المشاعر وإخفائها، تصبح أفكاره مبعثرة ومفككة ومختلطة.
لم يكن هناك توافق تام بين الأنا والهو لديه بسبب الكبت والحرمان والنكران الذي عاشه في طفولته مما سبب لديه أزمة وتزعزعًا في شخصيته حتى عندما كبر وتزوج واستقر. والكبت هو صراع الرغبات وتنافرها داخل الإنسان، فيكون الإنسان محتارًا في تلبية أي رغبة من الرغبات التي تكمن في داخله، ومن الممكن أن تمكث إحدى الرغبات في اللاشعور وتبحث لها عن مخرج لتفجر هذه الرغبة طاقتها، وذلك ما حدث مع منوال حين هرب عندما غرق طفلاه، وكأنه ينتظر هذه اللحظة. مشاعر منوال كانت دائمًا سلبية، فهي مشاعرمسيطرة وغير واعية كالخوف والارتباك والوسوسة.
كانت الأنا الأعلى لديه هي النفس اللوامة المتشكلة من قبل المجتمع أو العادات والتقاليد، فكانت خائفة ومضطربة ومرتبكة على الدوام، بسبب وجوده في محيط اجتماعي (الأسرة) يرفضه ويهمشه بسبب خطأ والدته، وهذه البيئة أثرت على شخصيته بشكل سلبي.
« اتِّكاءُ رجاءٍ على صُدفة»
يقول السنعوسي في روايته هذه:» يكفي هذا العبث والإصرار على كتابة ما لن يُكتب. لاشيء يُجبرني على مواصلة الكتابة. لا شيء. على الكاتب أن يتواضع أمام عجزه أحيانًا، وأن يكف عن المحاولة».
يطرح السنعوسي قضايا مهمة في روايته مثل: الإيمان والإنكار، والحقيقة والخيال، والحضور والغياب، فينغمس القارئ في البحث عن هذه المعتقدات ومعالجتها. هذه الرواية لا تصلح لجميع القرّاء لما فيها من تقنيات وأحداث قد يصعب على القارئ فهمها، فهي بالفعل أحجية تحتاج صبر وتفكير عميق وربما قراءتها أكثر من مرة حتى يفهمها ويتعرف على شخصياتها، فالشخصيات عنصر مهم وجزء مهم في فهم القصة.
٭ كاتبة من الكويت
