مشروع قانون الدولة القومية لليهود
مرر الكنيست الإسرائيلي مؤخراً، تشريعاً بأغلبية 62 نائباً مقابل معارضة 55 عضوا، والذي أطلق عليه «إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي».
وفي تعليقه على القانون بعد إعلان تصويت الكنيست عليه، وصف رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ذلك بأنه «اللحظة الحاسمة في تاريخ الصهيونية ودولة إسرائيل»، قائلاً: «حددنا بالقانون مبدأ أساس وجودنا، إسرائيل هي دولة قومية للشعب اليهودي، إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، ويحترم حقوق جميع مواطنيها».
وكرد فعل، احتفل المتشددون الإسرائيليون وأنصارهم في الولايات المتحدة بالتشريع، باعتباره «كاشفاً» أو «توضيحاً»، بينما أعربت أكثر الأصوات الليبرالية عن أسفها للضرر الذي يلحقه مشروع القانون بـ«الرؤية الصهيونية». هذا هو النقاش الوحيد الذي لا يمكنني فيه أخذ جانب الليبراليين، لأن مشروع قانون «الدولة القومية لليهود» في الواقع يعد «كاشفا وتوضيحا»، لأنه يثبت فقط في ممارسات «القانون الأساسي» والسياسات التي كانت إسرائيل تنفذها منذ تأسيسها.. وكما أوضحت في كتابي «الفلسطينيون: الضحايا غير المرئيين (المخفيون)، حتى قبل تأسيس الدولة.. كان هدف الصهيونية السياسية يتمثل في استئثار اليهود ونزع الملكية الفلسطينية. ومنذ تأسيسها، مرّرت الحكومة الإسرائيلية أكثر من 60 قانوناً، ونفذت سياسات تهدف إلى تحقيق ذلك الهدف.
بعد عام 1949، على سبيل المثال، هدم الإسرائيليون 349 قرية فلسطينية كانت تابعة لفلسطينيين أجبروا على أن يصبحوا لاجئين وصادرت إسرائيل الأراضي، وأعلنت أن هذه الممتلكات «أراضي دولة» (مجموعها %93 من الأراضي داخل دولتها الجديدة)، وحولتها إلى مشاريع تطوير «لليهود فقط» تابعة لوكالات شبه حكومية. وبموجب القانون، لا يمكن نقل هذه الأراضي إلى سيطرة غير يهودية.
وفي السنوات الأخيرة، أيدت المحكمة العليا الإسرائيلية قانوناً يمنح الجاليات اليهودية الإسرائيلية الحق في استبعاد مقدمي الطلبات الراغبين في العيش هناك على أساس عرقهم أو دينهم.. وتعمل إسرائيل بطريقة مماثلة في الضفة الغربية المحتلة و«القدس الشرقية». ففي هذه المناطق، قامت ببناء مساكن «لليهود فقط» يعيش فيها أكثر من 700 ألف يهودي، بينما هدمت ما يربو على 10 آلاف منزل فلسطيني. كما سمحت بالتنمية الفلسطينية المحدودة وخصصت في الأراضي المحتلة طرقاً وخدمات وإمدادات مياه لليهود فقط.
أما القوانين الأخرى التي تم تمريرها بعد تأسيس الدولة فقد رحبت بهجرة اليهود ليصبحوا مواطنين في إسرائيل، بينما حظرت في الوقت نفسه عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم أو ممتلكاتهم. وحتى الآن، إذا تزوج مواطن فلسطيني من إسرائيل بشخص من الخارج (بما في ذلك من الضفة الغربية)، يُحظر عليه جلب زوجته لتعيش معه في إسرائيل.
لا تزال هناك قوانين وسياسات أخرى تحابي اليهود على المواطنين الفلسطينيين العرب. هناك، على سبيل المثال، «الفصل غير المتساوي» للأنظمة التعليمية، وامتيازات الخدمات الاجتماعية، وصناديق التنمية والبنية التحتية، والسياسات التي تنظم التعبير عن الآراء السياسية.
وهناك أيضاً تمييز واضح في العقوبات المفروضة على مخالفي القانون، حيث حُكم على الإسرائيلي الذي ضرب بلا رحمة لاجئا إريتريا بمئة يوم في «الخدمة العامة»، وحُكم على الإسرائيلي الذي قتل فلسطينياً أعزل رمياً بالرصاص بالسجن لمدة ثمانية أشهر، في حين أن الفتاة الفلسطينية التي صفعت جندياً إسرائيلياً حاول اقتحام منزلها، عوقبت بالسجن 9 أشهر!
وبما أن هذه السياسات والقوانين التي تمنح معاملة تفضيلية لليهود على العرب كانت موجودة، بعضها منذ تأسيس دولة إسرائيل، علينا أن نطرح سؤالين: لماذا كان نتانياهو مصمماً على تمرير هذا القانون الآن؟ ولماذا تباكى الليبراليون؟
والإجابة عن السؤال الأول ربما تكمن في السيكولوجيا السياسية لنتانياهو، فهو كأي شعبوي قومي في أي مكان آخر، يدرك الميل العنصري لقاعدته الشعبية. ففي تسعينات القرن الماضي، أطلق سراحه في معارضة اتفاقات أوسلو، التي وعدت بإنهاء عملية السلام (حيث حملت أرملة إسحاق رابين، نتانياهو المسؤولية عن التحريض المناهض للسلام، الذي أدى إلى اغتيال زوجها). وعندما شعر بالتهديد في انتخابه الأخير، حذر أنصاره من أن «العرب كانوا يتحولون إلى جماعات» لإلحاق الهزيمة به.
والآن، وفي مواجهة لوائح اتهام متعددة لمختلف أشكال الفساد، لقد لجأ إلى النداء القومي المجرد كطريقة لتعبئة قاعدته وصرف الانتباه عن تحدياته القانونية.
في الوقت نفسه، ومع تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب والكونغرس الذي يقوده الجمهوريون، يشعر نتانياهو بالقوة، فهو واثق بأنه لن يواجه أي عقوبات من قبل الولايات المتحدة الأميركية، بينما يعتبر قانون «دولة الأمة اليهودية» تمهيدا لضمه في نهاية المطاف إلى الضفة الغربية.
بيد أن الأمر المحير هو شعور الليبراليين فجأة بالقلق من أن إسرائيل حولت ما تفعله منذ عقود إلى قانون، ولعل تفسير ذلك ما قاله الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفيلن، الذي وصف نص القانون بأنه «يمكن أن يضر الشعب اليهودي في أنحاء العالم وفي إسرائيل، وقد يستخدم كسلاح من قبل أعدائنا». وبعبارة أخرى: «لقد كنا نفعل ذلك كله من دون أن يلاحظ أحد على مدار عقود، وإضافة الطابع الرسمي عليه، ستجعلنا نبدو سيئين».
وفي هذا الصدد، قد يكون الوضوح الذي يوفره مشروع قانون «الدولة القومية اليهودية» هذا نعمة. إنها تمزق القناع عن الواجهة التي أخفتها إسرائيل لسنوات. ما يتعرض له هو نظام الفصل العنصري القاسي، الذي يتم تنفيذه في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة. لقد حان الوقت لإنهاء النفاق والعمى الأخلاقي. ويجب تحدي الممارسات الإسرائيلية، ويجب على الناس ذوي الإرادة الصالحة العمل معاً للمطالبة بالمساواة والعدالة وحقوق الإنسان.
د. جيمس زغبي *
*رئيس المعهد العربي ــ الأميركي في واشنطن
