خيارات صعبة أمام اردوغان لتسوية الأزمة المالية

 

وهج 24 : غرقت تركيا الأسبوع الماضي في أزمة مالية. فبعد سنوات من االنمو المتواصل المترافق مع اختلالات هيكلية في الاقتصاد، انهارت قيمة الليرة التركية على خلفية توترات مع الولايات المتحدة وشكوك إزاء السياسة الاقتصادية التي يعتمدها الرئيس رجب طيب إردوغان.
وخسرت العملة التركية حوإلى 40% من قيمتها مقابل الدولار منذ بداية العام وسجّلت انهياراً هائلاً في الأيام الأخيرة. وبعد أن شهدت استقراراً، عادت وتراجعت قيمتها يوم الجمعة الماضي في حين تتفاقم الأزمة مع واشنطن.
ويرى الاقتصاديون أن أنقرة يجب أن تتخذ تدابير طارئة لانقاذ عملتها التي يقلق انهيارها أوروبا. لكن معظم الحلول التي يدعون إليها تتعارض مع السياسة التي اعتمدها إردوغان حتى الآن.
ويكرر الاقتصاديون منذ أشهر عدة على ضرورة أن يلجأ البنك المركزي إلى زيادة معدلات الفائدة لدعم الليرة والتصدي للتضخم المتصاعد.
إلا أن أردوغان يعارض بحزم مثل هذا التدبير. وقد فوجئت الأسواق في الشهر الماضي برفض البنك المركزي اتباع هذا المسار رغم خطورة الوضع.
ولجأ البنك المركزي في الأيام الأخيرة بتكتم إلى آلية تتيح له رفع المعدل كل يوم بيومه بحكم الأمر الواقع.
ويرى وليم جاكسون من «كابيتال ايكونوميكس الاستشارية المتخصصة في الأبحاث الاقتصادية، أن هذه الوسيلة الملتوية «عززت القلق من أن (البنك المركزي) يخشى من غضب الحكومة».
ويتساءل الاقتصاديون حول قدرة إردوغان على مواجهة الأزمة الحالية، خصوصاً بعد تعيين صهره براءت ألبيرق، حديث العهد بالسياسة وزيرا للمالية الشهر الماضي.
ويعتبر تيموثي أش، الاقتصادي المتخصص في الأسواق الناشئة أن المواقف «غير التقليدية» التي يتخذها أردوغان المقتنع مثلاً بأن تخفيض معدلات الفائدة يقلّص التضخم، خلقت «أزمة ثقة».
وخفّضت وكالات التصنيف الائتماني «ستاندرد أند بورز» و»موديز» تصنيف ملاءة تركيا (أي أهليتها للحصول على قروض وقدرتها على تسديدها). وقد أعربت «ستاندرد أند بورز» عن استيائها جراء غياب خطة «موثوقة» لأنقرة في وجه الاضطرابات الحالية.
وبعد سنوات حققت فيها تركيا معدلات نمو كبيرة بفضل المشاريع الحكومية السخية خصوصاً، يدعو الاقتصاديون إلى الإبطاء.
من جهة ثانية أكد ألبيرق يوم الخميس الماضي أنه سيحارب التضخم وسيفرض تدابير تقشف مالي صارمة. إلا أن الأسواق تنتظر أفعالا.
يقول خبراء ان الأزمة مع الولايات المتحدة المرتبطة خصوصا بمصير القسّ الأميركي المحتجز قي تركيا ليست السبب الوحيد لانهيار الليرة، غير أنها ساهمت في ذلك بشكل كبير.
وفي حين تتصاعد التوترات مع واشنطن، تكثف أنقرة التواصل مع روسيا وأوروبا التي انتقدت بشدة انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا منذ سنتين.
وأشارت مجموعة «أوراسيا» الاستشارية المتخصصة في العلاقات الدولية إلى أن الأزمة مع الولايات المتحدة ستدفع بأردوغان إلى أن يكون «أكثر حذراً في تعامله مع الاتحاد الأوروبي».
ورأى مصدر دبلوماسي أوروبي أن الإفراج هذا الأسبوع عن جنديين يونانيين ومدير مكتب منظمة العفو الدولية في تركيا «ليس صدفة».
هل ستلجأ تركيا إلى «صندوق النقد الدولي»؟. سؤال يُطرح حالياً في الدوائر الاقتصادية.
إلا أن اللجوء إلى الصندوق يفترض أن يتنازل إردوغان، الذي يتفاخر بأنه «سدد ديون» بلاده، عن كبريائه وأن توافق واشنطن التي تتمتع بنفوذ قوي في هذا الصندوق.
وأشار ألبيرق إلى أن تركيا ليس لديها «أي تواصل مع صندوق النقد الدولي حاليا، مضيفا أن أنقرة ستعمل على استقطاب استثمارات جديدة. وقد حصل إردوغان الخميس الماضي على شيك بقيمة 15 مليار دولار من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
ويلفت هولغر شميدينغ من مصرف «بيرنبيرغ بنك» الاستثماري الألماني إلى أن القوة الاقتصادية الـ17 عالمياً «هي أكبر بكثير من أن تبقى عائمة طويلاً مع جرعات صغيرة من الأموال الأجنبية».
,تحاول السلطات التركية في الوقت الراهن وقف انهيار الليرة من دون المسّ بمعدلات فوائد البنك المركزي.
وقد وعدت المصارف بمنحها السيولة اللازمة في وقت وضعت أنقرة قيودا جديدة ضد المضاربة على العملة التركية.
ويعتبر «كابيتال ايكونوميكس» أن حتى اللحظة لم تقم الحكومة التركية إلا بـ»الحدّ الأدنى».
ويشير شميدينغ إلى أن أردوغان «سيحاول على الأرجح الصمود مع نصف تدابير في الأسابيع المقبلة». ويضيف «من غير المحتمل أن يحلّ ذلك الأمور بشكل نهائي».
من جهة ثانية وبعد يوم من تخفيض وكالتين كبيرتين التصنيف الإئتماني لتركيا إلى درجة تقترب أكثر من تصنيف «عالي المخاطر» وسط أزمة تتعرض لها عملتها الليرة، تعهد الرئيس رجب طيب أردوغان بالتصدي لمن يتآمرون على اقتصاد بلاده.
وخفضت وكالتا «ستاندرد آند بورز» و»موديز» يوم الجمعة الماضي التصنيف الإئتماني السيادي لتركيا إلى درجة تقترب أكثر من تصنيف ينفر المستثمرين.
وأشارت «ستاندرد آند بورز» إلى تقلبات حادة في الليرة، وتوقعت ركودا العام المقبل. وخفضت الوكالة التصنيف الإئتماني درجة واحدة إلى «بي زائد» من «بي بي»، وأبقت على نظرة مستقبلية لتركيا عند «مستقرة».
وقال أردوغان أمام مؤتمر لحزب العدالة والتنمية الحاكم أمس الاول «اليوم يسعى بعض الناس لتهديدنا عبر الاقتصاد ومعدلات الفائدة وسعر الصرف والاستثمار والتضخم… لهؤلاء نقول: رأينا تآمركم ونحن نتحداكم».
وهبطت الليرة ثلاثة في المئة يوم الجمعة بعد أن رفضت محكمة تركية الإفراج عن القس الأمريكي آندرو برانسون، وبعدما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة لن تقف «مكتوفة الأيدي».
وصارت قضية برانسون، القس المنحدر من ولاية نورث كارولاينا، والذي عاش في تركيا 20 عاما، أحد أبرز نقاط الخلاف بين واشنطن وأنقرة، وكانت من بين أسباب تفاقم أزمة الليرة.
وقال أردوغان «لم ولن نستسلم لمن يتصنعون أنهم شركاء استراتيجيين بينما هم يجعلوننا هدفا استراتيجيا (لهم)» في إشارة إلى الولايات المتحدة.

المصدر : أ ف ب

قد يعجبك ايضا