الصّين تَخْرُجُ من قمقم سُورها العظيم إلى ملعبِ الإعلام العالميّ.. استبدال الحلم الأمريكي الجميل بالصيني الأجمل
ندى حطيط
وكأن دونالد ترامب، سيّد البيت الأبيض كان ينقصه إلى جانب حروب الرسوم الجمركيّة، والخلافات التجاريّة مع الحلفاء قبل الأعداء، والصراعات العسكريّة الملتهبة في غير ما بلد، حيث تورطت الإمبراطوريّة، كما مصاعبه الداخليّة والوقت اللازم لمتابعة موقع تويتر والتغريد عن الأحداث عبره ليأتي هؤلاء الصينيون الغامضون بقرارهم الخروج من قمقم سورهم العظيم، الذي تواروا خلفه منذ 200 عام في هجوم إعلامي شامل يستهدف قلب قواعد اللعبة نهائياً هذه المرّة مُعتمرين جبهة الميديا، التي طالما احتكرها الغرب وحولها إلى مصنع بروباغاندا هائلاً يكرّس هيمنته على الأطراف في دول الجنوب.
الصّينيون، الذين يدرسون الأمور بتمعن وعن كثب آمنوا بفكرة المفكر الراّحل سمير أمين أن احتكار أدوات الإعلام كان أحد أدواتٍ خمس تمكِن للغرب من استدامة غلبته على الكوكب – إلى جانب أسلحة الدمار الشامل، والنظام المالي العالمي، والتكنولوجيا المتقدمة والموارد الطبيعيّة الاستراتيجيّة، وهم لذلك قرروا قبول التحدي في ملعب المرئي والمسموع والمقروء مرّة واحدة، من خلال إطلاق «صوت الصين»، الذي سيكون أكبر مؤسسة إعلاميّة عالميّة على الإطلاق يتقزم معها أي مشروع غربّي، بما فيه بيوتات البروباغاندا الأشهر كـ «بي بي سي» والـ «سي أن أن».
المؤسسة الجديدة، التي نُقلت إليها بالفعل إدارة كل منظمات الإعلام الرسمي الصيني من قنوات تلفزيونيّة ومحطات إذاعيّة ومواقع إخباريّة وهيئات سينمائيّة ورصدت لها ميزانيات هائلة بكل المقاييس، ستضم جيشاً لا يقل تعداده عن 15 ألف صحافي ومراسل، وسيكون لها عشرات المكاتب المجهزة في عواصم العالم الرئيسة وستبث على مدار الساعة محتوىً متقدماً عبر مختلف المنصات في 60 لغة.
تغزو فضاء الإعلام العالمي
بأسلحة القوّة «الثاقبة»
الصينيون لا يخفون أهدافهم من هذا الهجوم (النّاعم) الواسع النطاق. الجزء الأول من المهمة هو بناء صورة إيجابيّة عن بلادهم سياسية وثقافية وقيماً في المخيال العالمي كنوع من بناء قواعد القوّة الناعمة – وهو أمر تقوم به بالطّبع كل أمم العالم الناهضة – من الولايات المتحدة، مروراً بدول أوروبا الكبرى (بريطانيا ألمانيا، إسبانيا، إيطاليا …) وانتهاء بالدّول الطامحة كروسيا وتركيا والهند وغيرها.
لكن الجزء الثاني من تلك المهمة – والذي يُبنى بالضرورة على نجاح الجزء الأول – هو الأخطر ويقضي بشن مواجهة مباشرة وصريحة مع حرب البروباغاندا الأمريكيّة والتصدي لها في كل قارات العالم الست، منصة منصة، وزنقة زنقة، ويعتبرون أنهم لن يكتفوا بعد الآن بمجرد استقبال أدوات القوّة (الناعمة) الأمريكيّة كمتلقين، بل هم سيشنوا هجوما مضاداً بأدوات القوّة (الثاقبة) كما يسميها القادة الصينيون، وسيتصدون لبضاعة «الحلم الأمريكي الجميل» ببضاعة «الحلم الصيني الأجمل».
«صوت الصين» ليس بالطبع سوى واحد من مجموعة استراتيجيّات توظفها الحكومة الصينيّة في السنوات الأخيرة لزيادة النفوذ الثقافي لبلدها عبر العالم. فهي أطلقت عدة مبادرات إعلاميّة للتعريف ب»طريق الحرير» الجديد العابر للعالم القديم من أقصاه لأقصاه، وقبل سنوات قليلة أكثر من 1500 مركز ثقافي صيني في مختلف مدن العالم (تسمى مراكز كونفوشيوس) توفر فرص تعلم اللغة (تدرّس كل عام ما يزيد عن 1.5 مليون من الرّاغبين) وتفتح بوابات للتبادل الفني والأدبي والموسيقي. لكن حجم الاستثمار المخصص تحديداً ل»صوت الصّين» يشير بوضوح إلى أن فضاء الإعلام العالمي سيكون موضع اهتمام استثنائي لدى القيادة الصينية خلال القادم من السنوات.
«فويس» مقابل «فويس» والبادىء أظلم!
اختيار الإسم يدل على وعي كبير بأساسيّات اللعبة في هذا الفضاء. فالإسم الرسمي لقناة «صوت الصين» سيُلفظ كما هو في طبعته الإنكليزيّة أي (فويس أوف تشاينا)، وهو مطابق تماماً لصيغة اسم (فويس أوف أمريكا) – أي «صوت أمريكا» – المؤسسة الأمريكيّة المتخصصة ببث البروباغاندا إلى العالم، الأمر الذي ينزع من الغرب فرصة وصم القناة الصينيّة بكونها أداة دعاية إيديولوجيّة محضة، إذ عند ذلك فإن الصّوتين «الصين» و«أمريكا» سواء، ولا فضل أخلاقي لأحدهما على الآخر إلا في جودة المحتوى وعناوين الملفات.
الشّكل والمضمون معاً
لا يُغفل القادة الصينيون أن معظم الأجيال الجديدة من متلقي المواد المرئية والمسموعة تحديداً ليسوا بحاجة إلى رطانات أيديولوجيّة، إضافيّة تشبه الدعاية السوفياتية القديمة، ولذلك فخططهم تركّز على الانتاج الاجتماعي والفنون والأعمال الموسيقيّة والدرامية والسينمائيّة والوثائقيّات، التي تمثل القيم الصينية الرفيعة للوصول إلى أوسع قاعدة من مستهلكي المواد الإعلاميّة، وستوفرها لهم عبر التلفزيونات والإنترنت، وكذلك خدمة تقديم المحتوى بناء على الطلب، فكأن صوت «بي بي سي» و «سي أن أن» و»نتفليكس» وقد جمعت معاً في «صوت» واحد ضخم. لا يعني التوجه الصيني الجديد – بتغيير التموضع الاستراتيجي في حروب المحتوى الإعلامي من حالة الدّفاع وراء السور العظيم إلى حالة الهجوم المضاد عبر الكوكب – إهمال الجمهور المحليّ الذي سيتعرض حتماً لمزيد من القصف الإعلامي الأمريكي من خلال المواد ذات الصبغة الاجتماعيّة والمعتمدة على صناعة المشاهير والترويج لسلوكهم الاستهلاكي وحريّتهم المفترضة بأن يكونوا كما يبغون، واللّعب على وتر العلاقات الجنسيّة والعاطفيّة التي تشغل عادة بال المراهقين والشباب. وقد شرع الصينيون منذ بعض الوقت وبنجاحات متفاوتة بتقديم مواد من ذلك الطراز مع وضعها في الإطار المحلي – نجوم صينيون وسيمون ووسيمات يقعون في الحب ويفترقون وتؤرقهم الملابس والموسيقى، لكنهم مع ذلك أعضاء بارزون في الحزب الشيوعي الصيني ووطنيون شديدو الإخلاص لبلادهم -، مع فرض مدونة سلوك دقيقة حول مسائل مثل الحدّ الأقصى لأجورهم وأخلاقياتهم الشخصيّة في المجال العام – مثلاً بطل أحد المسلسلات الشديدة الشعبيّة بين المراهقين أُجبر على الظهور مباشرة عبر التلفزيون ليعتذر لملايين متابعيه عن تورطه في تناول المخدرات مع صديقته ووعد بعدم تكرار ذلك مستقبلاً. ولا شكّ أن خبرة المنتجين ستتحسن رويداً رويداً لا سيّما مع توسيع قاعدتي الإنتاج والاستهلاك من خلال «صوت الصين».
صراع الكبار في ملعب الفضاء ونحن المتفرجون
تماماً وكما هو متوقع أُصيب الإعلام الغربي بهستيريا بشأن مشروع «صوت الصين». كثيرون أبدوا تخوفهم من الخطر الاستراتيجي الذي يمثله كسر الصينيين لهيمنة الغرب على الشاشات الكبيرة والصغيرة حول العالم، واعتبروه هجوماً أيديولوجياً سافراً تنبغي مواجهته. البعض مثلاً طالب الحكومة الأمريكيّة بالاستجابة للتحدي الإعلامي الصيني بإطلاق مشروع أمريكي نقيض باللغتين الصينية والمنْدرين – السائدتين – يتوجه إلى كل المتحدثين بهما، سواء داخل السور العظيم أوفي المهاجر ويكون قادراً على ترفيع سويّة دكاكين الأيديولوجيا الأمريكيّة الحالية – صوت أمريكا، وتلفزيون الحرّة وما شابه – إلى مستوى جاد مع توفير حلول تقنيّة تسمح للمشاهدين داخل الصين بتخطي العزلة السيبيريّة التي تفرضها حكومتهم لحماية مواطنيها من تغول مؤسسات الإعلام الغربي – من فيس بوك وتويتر، إلى غوغل مروراً بالنيويورك تايمز وغيرها مقابل تقديمها لهم حلولاً محليّة بديلة تقدّم ذات الخدمات.
إلى أين ستأخذنا هذه المنازلة الفضائيّة الكونية؟ لا أحد يعلم بالتحديد، لكننا بالتأكيد في العالم العربي البائس حيث الصحف تُغلق، ومقدمو البرامج مهددون بفقدان وظائفهم في كل لحظة إذا انحرفت أمواجهُم عن شواطئ الأدلجة المسمومة، ومنتجو المحتوى مجرد ببغاوات للأنظمة، والمعنيون بخلق فضاءات من حقائق وفكر يكاد يُعدون على الإصبع الواحد بين أكوام النفايات البصرية والقريبون من أوجاع الناس مبتوري الإمكانية، سنكتفي إذن بالتربع على هزائمنا المتدفقة مبحلقين أمام الشاشات نزدرد المحتوى الإعلامي للدول الكبرى ولا نشبع.
كاتبة وإعلامية لبنانية بريطانية