«تي آر تي»… كم عمر الفشل؟!
سليم عزوز
لولا نشرات الأخبار بها، ولولا قيامها بنقل خطب «أردوغان» لقلنا إن قناة «تي آر تي العربية»، تبث ارسالها من مقابرنا في «جهينة»، حيث الوحشة والسكون، وهي تختلف عن المقابر في تركيا!
«الجبانة» في «جهينة» تقع خارج البلد، وفي منطقة رملية بالقرب من الجبل، وإن بدأ العمران في الزحف اليها في السنوات العشر الأخيرة، لكن مقابر القوم في تركيا «ترد الروح»، حيث تقع في مساحات خضراء، وعلى الطرق العامة، ليست بعيدة عن العمران أو منفصلة عنه، وبالتالي فلا يمكن أن يقال إن «تي آر تي العربية» تبث إرسالها من المقابر التركية!
تذكرني «تي آر تي» في أدائها باذاعة العراق قديماً، والتي كانت تُنهي إرسالها مبكراً وفي العاشرة مساء بتوقيت القاهرة، وبعبارة يتلوها المذيع بصوته الرخيم الناعس: «نتمنى لكم نوماً هادئاً، وأحلاماً سعيدة»، ولا يكاد ينتهي منها حتى يغالب المرء النعاس، وكأنه حبة دواء مهدئة، عالية الجودة، فنغلق الكتاب سريعاً في أيام التلمذة ونستسلم للنوم فـ «الصباح رباح»، وماذا يفعل التعليم في بلد ضائع؟!
كان صوت مذيع العراق متماهياً مع رسالته، والإذاعة توقف إرسالها بعد يوم عمل، لكنه لم يكن فاقداً للحماس، وليس مكترثاً بالأمر، ولا ينظر إلى عمله على أنه وظيفة يتعامل معها على قاعدة من رماك على المر؟ والإجابة معروفة، وهي الأمر منه، أي الأكثر مرارة، وهذا ما يفسر أن إعلامية، كانت الذراع الأيمن لـ «عبد اللطيف المناوي» رئيس قطاع الأخبار في التلفزيون المصري، والذي طردته الثورة من مكتبه في مبنى ماسبيرو، تغادر إلى «تي آر تي»، فمن أين يأتيها الحماس، وهي تعمل في محطة تلفزيونية مملوكة للأعداء، الذين يعادون حكم العسكر في مصر، وقس على هذا، فظني أن البعض ممن يعملون في هذه القناة لا يؤمنون برسالتها، وليسوا منحازين للربيع العربي، الذي من المفروض أن تعبر عنه، لذا فإنهم يتعاملون مع الأمر على أنه وظيفة تُؤدى مفتقدة للحماس، ويتم استغلال أن الجانب التركي يجهل اللغة العربية التي تنطق بها القناة، في الاستمرار في الأداء الباهت غير المكترث، وعدم الحيوية ليست من المهنية في شيء، كما أن الأداء الباهت أيضاً، يكشف عن أزمة في عملية التوظيف!
والأمر هنا لا علاقة له بالمهنية، فالـ «بي بي سي»، سواء الآن، حيث لم تعد معنية كثيراً بتاريخها وسر تفوقها، وعندما كانت عنوان المهنية، فإن اعلامييها يؤدون وظيفتهم بحماس يلحظه المشاهد، وليس من غرف الاستراحة في القناة، والتي تسمى تجاوزاً استوديوهات!
لقد تم اطلاق قناة «تي آر تي» باللغة العربية قبل سبعة عشر عاماً، ومما يؤسف أنها لم تصنع حتى الآن بصمة لها. والقنوات التلفزيونية «أعتاب» كما البيوت، جمع «عتبة»، وإذا كانت هناك أزمة خاصة بالقنوات التلفزيونية الناطقة بالعربية من بلدان غير عربية، فليس طبيعياً أن تشاركهم «تي آر تي» في الهم وفي الفشل وعدم القدرة على المنافسة، لتظل قناة «الجزيرة» مثلاً هي قبلة المشاهد عند وقوع أحداث داخل هذه الدول، فعند الأزمة الأخيرة للرئيس الأمريكي، لم يفكر المشاهد بالذهاب إلى «الحرة»، وعند وقوع أحداث الإرهاب في فرنسا، فإنه لا يذهب إلى «فرانس 24»، ولفك طلاسم العلاقة بين ألمانيا والانقلاب العسكري في مصر لم نشد الرحال إلى DW الألمانية، وكذلك الحال في الأزمات التركية، فلم تنجح قناة «تي آر تي» في أن تكون هي المرجع والملاذ!
الماشطة والوجه العكر
«الحرة» لم يكن ينقصها الحماس في البداية، رغم رسالتها الصعبة: «تبيض الوجه الأمريكي»، فمن يقدر؟ ووقتها كتبت في هذه الزاوية المثل المصري واسع الانتشار: «ماذا تفعل الماشطة في الوجه العكر؟!» لكن تغطية مكتب القاهرة لنشاط المعارضة المصرية في فترة الحراك السياسي في زمن مبارك، كانت سبباً في وجودها ضمن قوائم القنوات في مصر!
وبالمناسبة، فالمثل سالف الذكر قديم بعض الشيء، عندما لم تكن البشرية قد وقفت على التقدم في فنون المكياج، ومن بين من يعملون في هذا المجال، من قد تشعر أن مهنتهم السابقة هي «نقاشون» يقومون بأعمال «النقاشة» و»الترميم» للبنايات والشقق، فواصلوا المهمة في المهنة الجديدة، فيقومون بأعمال «الفحت» و»التنكيس»، ليسري عليهم مثل شعبي آخر هو «لبس البوصة تصير عروسة»، ولولاهم لبارت السلع!
«الحرة»، لم تعد كما كانت عندما غادرها مديرها «موفق حرب»، والألمانية سعت للنجاح باستقبالها لبرنامج «يسري فودة» بعد أن غادر القاهرة بعد شهر عسل قصير مع حكم العسكر، وإلى الآن لا نعرف أسباب خروجه، هل مورس عليه تضييق من قبل سلطة العسكر؟ هو لا يقول، وقد يأتي اليوم الذي تُفتح فيه الصناديق السود، ولكن ليس على الطريقة التي جرت في بعد تنحي مبارك، فحتى «عمرو أديب»، وحتى مسؤولة الدعاية في حملة مبارك الانتخابية «لميس الحديدي»، قالا إنهما كانا مضطهدين في العهد البائد!
أزمة برنامج «السلطة الخامسة» ليسري فودة هي نفسها أزمة برنامج «قلم رصاص» لحمدي قنديل، شفاه الله وعافاه على قناة «دبي»، فقد كان برنامجه «رئيس التحرير» في التلفزيون المصري هو الأعلى مشاهدة، واستمر نجاحه بعد انتقاله إلى قناة «دريم»، لكنه لم يحظ بالنجاح نفسه في قناة «دبي»، ربما لأن البعيد عن العين بعيد عن القلب، وربما كذلك لأنه لا توجد قناة تنجح ببرنامج واحد، إلا إذا كانت معروفة سلفاً، فنحن في زمن القناة ذات البرنامج الواحد، لكن «دبي» كما القناة الألمانية، لم تنجحا في أن تصل للناس، لينجح البرنامج الواحد، سواء «قلم رصاص» أو «السلطة الخامسة»، والأخير أفضل حالاً، لأن الـ»سوشيال ميديا»، تنقل أجزاء منه للناس، في حين أن الأول ظهر وتوقف قبل زمن مواقع التواصل الاجتماعي كوسيط في نقل البرامج التلفزيونية!
دعك من قناة «فرانس 24»، فالحماس في الصورة وفي حركة الكاميرا، وفي الحضور الذي تمتع به مذيعاتها، لكنها على ما يبدو موجهة للمستعمرات القديمة، لهذا تبتعد كثيرا عن مناقشات «القضايا ذات الاهتمام المشترك»، وإن كان يؤخذ عليها اعتمادها «النغمة الواحدة»، فيتوحد المذيع مع الضيف فلا تعرف من فيهما مقدم البرنامج من المحلل السياسي!
القناة الوحيدة
«تي آر تي» تختلف عن هذه القنوات في أمرين: الأول: أنها تبث من أرض بكر بالنسبة للمشاهد العربي، المتعطش في المرحلة الحالية لفهم كل تفاصيلها. الثاني: أنها تنطلق من بلد حاكمه لا يريد أن يحصر تركيا في حدودها الداخلية إنما يريد أن تمتزج بمحيطها العربي والاسلامي بعد عقود من القطيعة. وهو لذلك يواجه تحديات خارجية، تعرضه لتحديات، كان ينبغي على القناة العربية الوحيدة أن تكون هي على رأس باقة القنوات في أي بلد عربي، لكنها لم تكن!
عندما وقعت محاولة الانقلاب الفاشلة، استدعيت «تي آر تي» لتكون القناة الأولى في ترتيب القنوات الخاصة بي، لكني لم أجد على النار هدى، كان الأداء متكاسلا، باهتاً، لا يشفي الغليل، فمن أين جاء هؤلاء القوم؟! فكانت السلوى في قناة «الجزيرة» وما الذي يمنع القناة التركية من أن تكون «الجزيرة»؟!
القناة القطرية عندها اعتبار هو «الرأي والرأي الآخر» حتى وإن كان «الرأي الآخر» يمثله من يقول كلاماً لا يقل به عاقل قط، وهو الاعتبار الذي لا تلتزم به «تي آر تي»، وإن كنت أرى ضرورة أن يعالج هذا في المقابلات والمناقشات، فلا بد من طرح كل ما يقوله الأعداء على مائدة النقاش الموضوعي!
وإذا كانت فرصة محاولة الانقلاب الفاشلة قد ولت، ولم تستفد بها «تي آر تي»، فقد جاءت فرصة أخرى هي الخاصة بحرب «الليرة»، لكن كان هو ذاته الأداء غير المكترث، والتعامل مع الوظيفة على أنها «تأدية واجب» إلى حين العثور على وظيفة شاغرة في مكان آخر، حتى تبدو القناة فعلا تبث ارسالها كمساهمة منها في حل قضية البطالة في السوق الإعلامي!
ليس في «تي آر تي» برنامجاً كبرنامج «يسري فودة»، وليس فيها اهتمام بالحالة المصرية، ولو ببرنامج مثل «بتوقيت مصر» في «بي بي سي»، أو «هوا مصر» في «فرانس 24»، وليس لدى تركيا محاذير في أن تكون قناتها هي البديل لقناة «الجزيرة مباشر مصر»، وبعض الاهتمام جاء بانضمام «أشرف البلقيني» إلى أسرة المذيعين بها!
وكان يمكن لـ «تي آر تي» أن تكون لسان الربيع العربي الذي ينطق به، وأن تكون قناة «الأحرار» في المنطقة، لكن السؤال الحساس هل تراعي عملية التوظيف في القناة الجمع بين أمرين: «المهنية»، و»الإيمان بالرسالة»؟!
لمجرد أن لاحت فرصة عمل لأحد العاملين في «تي آر تي» في مصر، أعلن على الهواء ادانته للقناة التركية، وأحدهم وجد في الانتخابات الرئاسية المصرية فرصة لتأكيد القرب فذهب للسفارة ليدلي بصوته في انتخابات قاطعها المصريون، ونشر صوره مع السفير وغيره، فمن أنتم؟ قناة مهنة وحسب؟ فحتى القنوات المهنية فقط، تمنع من يعملون بها من اظهار مواقفهم السياسية على صفحاتهم، بما يخدش «الحياد» المفترض، وهل «الحياد الاعلامي» هو من أهداف «تي آر تي»؟!
عندما ذكرت واقعة المذيعة المقربة من عهد «عبد اللطيف المناوي»، قيل لي إنها قدمت استقالتها وغادرت؟ وعندما تتبعت «خط سيرها» في مصر قيل لي إنها ستعود للتلفزيون الرسمي قريباً، هكذا بدون صعوبات. وكانت الملاحظة أنها هي من استقالت، وقبل استقالتها لم نسمع عنها حضوراً مهنياً يغطي النقص في الانحياز للرسالة.
الوسط الصحافي في مصر يستعير عبارة التجار الصغار في التعامل مع التجارب الاعلامية الصغيرة، التي تمارس على مضض وصفاً لها وهى «السبوبة»!
لا بأس.
صحافي من مصر