حين يكتب الأطفال

بروين حبيب

 

بين فترة وفترة تفاجئنا بعض دور النّشر العربية بكتب للأطفال، حتى بدا لي أن الطفل استلم دفّة حياته، وقرر أن يكتب لنفسه بعد أن عجز الكبار للكتابة له.
يخرج هؤلاء الأطفال مثلما تخرج أرانب الساحر من قبعته السوداء، ناضجين ومبهرين، يعتلون مسارح لتوقيع كتبهم، يظهرون على الشّاشات ويتحدثون عن نتاجهم، ويروجون لأنفسهم في مدارسهم ومحيطهم. فهل ما يكتبونه صالح للنشر؟ وهل يستحق أن يُصنّف أدبا للطفل؟ أو أن الأمر لا يتعدّى كونه مجرد مغامرة لأطفالٍ يحلمون بأن يكونوا كتابا؟
إذ يتزايد عدد الأطفال الكتاب في الوقت الذي أصبح فيه الطفل العربي لا يتقن حتى كتابة الحرف، ويصعب عليه تعلُّم اللغة العربية، بل إنّه في الغالب يعاني من نفور غير طبيعي منها، في غياب كامل من الجهات المختصّة لإيجاد الحلول. فهل أدرك الطفل بفطرته ما يجب فعله، فانبثق من هذه الطفولة الشاسعة في العالم العربي أطفال ابتكروا خلاصهم وطرقهم الخاصّة من أجل بقاء لغتهم الأم، وحمايتها من الاندثار؟
يبدو السؤال جد معقول، والموضوع يستحق المناقشة، على الأقل من وجهات نظر تختلف عن وجهة نظري، كوني أجنح في طرحي لانتصار الطفولة لتغطية أخطاء الكبار.
ألم يقل جان ماري لوكليزيو: «التظاهر بأنّنا كتاب يجعلنا نصبح فعلا كتابا»؟ وهذا ما يفعله هؤلاء الأطفال، إنّهم يعيشون مرحلة التّظاهر، ولكنّ ما الذي لفتهم في مهنة الكاتب؟ هل هي مهنة مغرية أكثر من الطب والهندسة؟ ألم نحلم ونحن أطفال أن نكون مهندسين أو أطباء؟ وعلى أكثر تقدير أساتذة؟ فكيف استهوت الكتابة هؤلاء؟ ولماذا؟
تجلس الطفلة فينولا أمام إصدارها الثاني، في أحد معارض مانهاتن في نيويورك وتوقع كتابها لجمهور من القراء، أغلبهم أطفال، لكن بينهم عدد مهم من الكبار، الطفلة صاحبة السبع سنوات تتصرف كأنها ناضجة، وقد زادتها الشهرة المبكرة ثقة بنفسها، قد يراها البعض غرورا، ولكنّ بالنسبة لشعوب تتقبل غرور المشاهير، فإن غرور طفلة يظل مقبولا، ويمكن إصلاحه.
فينولا كتبت معاناتها وطرق تأقلمها مع حساسيتها ضد الغلوتين، كما كتب كريستوفر معاناة أخيه المصاب بداء السكري، إنّه بوح مبكر بما يعانيه الأطفال، ولا يراه الكبار، حتى إن كانت الأمهات في الغالب خلف تشجيع أبنائهن على الكتابة…
ستيفاني كاهيل صاحبة دار نشر «ليتل فالي بوكس» ترعى كُتّابها الصغار، وقد تخصصت في نشر كتب الأطفال المكتوبة من طرف الأطفال، وهذا لا يدهشنا إذا ما عرفنا أن هذا الحلم راودها منذ الخامسة من عمرها.
لكن في الخامسة أحلام أطفالنا صغيرة جدا، ونادرا ما نصادف طفلا يتخطّى بأحلامه السقف البسيط الذي حُدِّد له، بسبب الحرمان وأشياء أخرى، ومع هذا هناك استثناءات، هناك آباء منحوا أطفالهم عالما جميلا عن طريق القصص والحكايات، فوحدها الحكاية تفجّر مخيلة الطفل، وتحلّق به خارج المساحة الضيقة التي يعيش فيها. في عالمنا العربي سهل جدا أن نكتشف عددا لا بأس به من الكتاب الصغار، مثل لؤي الحكيمي التونسية ابنة العاشرة، ودبي أبو الهول بدأت الكتابة وهي في الثالثة عشرة من عمرها، ولا تزال تواصل ممارسة هواياتها الكثيرة من رسم وتصوير وكتابة. محمد عبد الله فرح جلود الجزائري ابن التاسعة، وهو نفسه الصبي الذي صفقت له كثيرا وتحمست له خلال مسابقة تحدي القراءة العربي… من الكويت يعقوب اليعقوب في الثانية عشرة من عمره، يارا حسن إسماعيل من لبنان في الثامنة من عمرها… والقائمة مفتوحة إذ أصبح تشجيع الأطفال في ميدان الكتابة أمر محبب، مع أنّ مستقبل الكاتب في العالم العربي غامض إن لم يكن غير مضمون بمعناه الصريح، فما الدّافع الذي يحمس البعض للذهاب طواعية لهذا النوع من الفنون؟
إن أهم أمر لا يعرفه الكبار هو أن الأطفال يعشقون القصص، لدرجة أنهم أحيانا يتمنون لو أنهم يقطنون داخلها، خاصّة تلك التي أحبوها، بعضهم فعلا يتقمّص أحب شخصيات القصة ويعيشها بطريقته، وإن لم يعشها من خلال ألعابه مع أخوته أو أصدقائه فهو يعيشها لوحده، يتمتم الطفل دوما بقصص يرويها ويمثلها بنفسه، غير آبه إن كان هناك من يشاركه ذلك أم لا.
وهنا يكمن أول عنصر مؤثر في الطفل ليكون كاتبا، وفي الحقيقة الأطفال جميعهم يتمنون أن يصبحوا كتابا، أو رواة قصص، وأغلبهم ينجح في ذلك، إن وجد الرّعاية الكاملة والتشجيع اللازم، لذلك فقد أشرت في مقال سابق إلى أن الآباء والأمهات هم حرّاس تلك المخيلة التي وهبها الله لأبنائهم، فإمّا أن تتفجّر بالروائع أو بالفجائع أو باللاشيء حسب طريقتهم في رعايتها أو قمعها.
الأطفال أيضا حسب تفسيرات سيكولوجية كثيرة، يعشقون هذا التزاوج بين عالمين، عالم الخيال، وعالم الحقيقة، إنّهم يعرفون تماما أن الحيوانات لا تتكلّم في الواقع، ولكنهم يعشقون نسج حكايات عن عالم آخر يقع في أعماق أدمغتهم، وفيه تتحدث الحيوانات بطلاقة، وتعيش حياة مغايرة لما يروه يوميا أمامهم. إنّها لعبة مسلية، تشبه القفز على حبلين، كون الطفل بإمكانه أن ينتقل لعالمه المتخيل بلفظه لعدة كلمات لا غير… إنّها أسهل أنواع التّسلية وأقواها على الإطلاق.
قوة الإدهاش التي تمارسها اللغة من خلال المحكيات هي القوة نفسها التي تدفع الطفل إلى اقتحام الكتابة، أما بعد نشر قصّته وانتقالها من الملفــــوظ إلى الملموس، فهذا ما يعجز الطفل عن تفسيره، لكنها حتما مرحلة مهمّة في حياته، إذ هنا يقتنع أكثر من غيره أن الأحلام قابلة للتحقيق، ويبدو أن الأطفال الذين جذبتهم الكتابة ومارسوها في صغرهم كانت حياتهم أفضل حين كبروا، وقد رسموا مستقبلهم بشكل مغاير عمن اعتمدوا في ذلك على أوليائهم.
لا علينا، إنّها ليست كارثة إن لم يحب الطفل الكتابة، ولم ينجذب للقصص، لكن من المهم جدا أن لا يُنشر ما يكتبه الطفل بدون تصحيح، وتنقيح وإعادة نظر، أقول هذا من باب معرفتي بحقل النّشر، وكيف يستغلّ بعض النّاشرين، سامحهم الله، عواطف أهل الكُتّاب الصغار، فينشرون تلك القصص بعد استلام تكاليفها، وينتهي الأمر عند هذا الحد. لهذا السبب أشك في أن يكون كل هؤلاء الكتاب الصغار الذين تعج بهم الشبكة العنكبوتية العربية موهوبين، وكوني ابنة «الكار» وأعرف أن الرّداءة في عالم الأدب انبثقت من استسهال الكـــتابة، واللجوء للنشر المدفوع سلفا، فإني أرى أن التريث أفضل من التسرع، والاهتمام بالمخطوط قبل نشره فيه من الفائدة ما لا يمكن توقعه، حتى يكون مادة جيدة لمستقبل كاتبه… لأن نصوص الكتاب الصغار لا أحد ينقدها غير أصحابها بعد عدّة ســــنوات من خوض التجربة، حين يبلغون سن النضــج، ويكتشفــــون أن الكتابة أكبر من ذلك الإنجاز الصغير الذي يصفق له الأهل والأصدقاء، فلطالما قرأنا لكُتّاب كبار ندموا على نشر أعمالهم الأولى، فهل توقع الندم عذر لتأجيل فرحة أطفال مبدعين؟
أترك الباب مفتوحا لإجاباتكم قرائي الأعزاء، لأن هذا الموضوع بالذات شاسع، وله جانب سيئ من حيث الاستثمار في الأطفال واستغلالهم لمهام أكبر منهم، وسرقة طفولتهم باكرا… وجهة نظر أليس كذلك؟
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

قد يعجبك ايضا