فادي السمردلي يكتب: لا تمنح المنبر لمن يمتلك غربالًا مثقوبًا

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات حتى صارت الضوضاء تُحسب رأيًا، لم تعد المشكلة في كثرة المتكلمين، بل في نوعية العقول التي نرفعها إلى المنابر. المنبر اليوم لم يعد خشبة وخطبة فقط، بل شاشة، حسابًا إلكترونيًا، مساحة رأي، أو حتى جلسة عابرة يتصدر فيها أحدهم الحديث وكأنه يملك مفاتيح الحقيقة وهنا تحديدًا تتجسد خطورة الفكرة “لا تمنح المنبر لمن يملك غربالًا مثقوبًا ” لأن المنبر قوة، ومن لا يُحسن الفرز لا يحق له امتلاك هذه القوة.

الغربال هنا ليس أداة فلاحية، بل صورة مكثفة للعقل والوعي والمعيار وهو القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف، بين الرأي والمعرفة، بين النقد والحقد فمن يملك غربالًا سليمًا يهزّ الأفكار قبل أن يتبناها، يختبر الكلمات قبل أن ينطق بها، ويخشى أن يظلم قبل أن يحكم أما صاحب الغربال المثقوب، فهو ذلك الذي تمرّ عبره كل التفاهات دون مقاومة، بينما تسقط منه القيم الثقيلة لأنها تتطلب جهدًا لا يريد بذله.

المشكلة أن صاحب الغربال المثقوب لا يأتيك صامتًا مترددًا، بل غالبًا ما يأتيك واثقًا، عالي الصوت، كثير الادعاء ويظن أن كثرة الكلام دليل معرفة، وأن الجرأة دليل حكمة، وأن الهجوم دليل قوة. هو لا يتوقف ليسأل نفسه هل ما أقوله صحيح؟ هل أنا أفهم فعلًا ما أتكلم عنه؟ هل أملك الحق الأخلاقي والمعرفي لأؤثر في عقول الآخرين؟ لا، هو يتجاوز كل هذه الأسئلة لأنه لم يتعلم أصلًا كيف يشك في نفسه، وكيف يراجع أدواته.

ومن هنا تبدأ الكارثة حين نمنحه المنبر لأن المنبر يضخم الخلل فالخطأ الفردي يصبح عدوى، وسوء الفهم يتحول إلى تيار، والسطحية تتكرس كثقافة فحين يتصدر الجاهل المشهد، يصبح الجهل مقبولًا وحين يتحدث المتحيز بوصفه صوتًا عامًا، يصبح الظلم وجهة نظر وحين يعتلي صاحب الغربال المثقوب المنبر، تختلط المعايير في وعي الناس، ويضيع الحد الفاصل بين من يعرف ومن يتوهم المعرفة.

الأخطر أن هذا النوع من المتصدرين لا يكتفي بتشويه الأفكار، بل يشوه الثقة نفسها فيجعل الناس تفقد ثقتها بكل صوت، بكل رأي، بكل محاولة جادة لأنهم حين يكتشفون زيف من اتبعوه، لا يلومون الشخص وحده، بل يلعنون الفكرة والمنبر والوعي كله وهكذا لا ينهار شخص واحد، بل تنهار منظومة كاملة من الثقة.

لا تمنح المنبر لمن يملك غربالًا مثقوبًا، ليس لأنها قسوة، بل لأنها حماية فحماية للعقول من التشويش، وللقيم من الابتذال، وللكلمة من أن تتحول إلى أداة تخريب بدل أن تكون أداة بناء فالمنبر مسؤولية ثقيلة، لا يحتملها إلا من تعب على نفسه أولًا، من كسر غروره، من اعترف بجهله قبل علمه، من درّب عقله على الفرز قبل أن يدرّب لسانه على الخطابة.

المنبر ليس حقًا مكتسبًا بالصراخ، ولا يُمنح لمن يجمع المتابعين، ولا لمن يُجيد إثارة الجدل فالمنبر يُمنح لمن يملك وعيًا ناضجًا، ومعيارًا أخلاقيًا، وقدرة حقيقية ىعلى أن يضيف لا أن يربك، أن يضيء لا أن يعتم. أما من لا يزال غرباله مثقوبًا، فمكانه ليس في الصدارة، بل في الصف الخلفي، يتعلم، يراقب، ويصلح أدواته قبل أن يطالب بأن يُسمع صوته.

في النهاية، المعركة الحقيقية ليست بين الآراء، بل بين الغربال السليم والغربال المثقوب وكل مجتمع لا يحسن اختيار من يمنحهم المنبر، محكوم عليه أن يعيش في فوضى فكرية دائمة لذلك، كن حازمًا لا تمنح المنبر لمن يملك غربالًا مثقوبًا، مهما كان صوته عاليًا، ومهما بدا واثقًا، لأن الثقة بلا وعي ليست قوة… بل خطر وسقوط مدوي .

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا