محمد غزال: ما يجري في المنطقة ليس صدفة تاريخية بل امتداد لمشروع قديم لتفكيك العالم العربي

كتبت.. سها البغدادي. …..

أكد المفكر السياسي محمد غزال رئيس ائتلاف الجبهة الوطنية الديمقراطية، أن ما تشهده المنطقة العربية من صراعات متلاحقة وتحولات جيوسياسية عميقة لا يمكن قراءته باعتباره سلسلة أحداث منفصلة أو أزمات عابرة، بل هو في جوهره امتداد لمسار تاريخي طويل من المشاريع الاستعمارية التي استهدفت إبقاء العالم العربي في حالة من الضعف والتفكك بما يخدم مصالح القوى الكبرى.

وأوضح محمد غزال في تصريح لـه، أن جذور هذا المسار تعود إلى بدايات القرن العشرين، حين بدأت القوى الاستعمارية الأوروبية في رسم استراتيجيات واضحة للتحكم في مستقبل المنطقة العربية، مستشهداً بما يُنسب إلى مؤتمر كامبل بنرمان عام 1907، والذي ناقشت خلاله القوى الغربية مستقبل المنطقة بعد تراجع الدولة العثمانية، حيث خلصت تلك القوى – وفق العديد من الدراسات التاريخية – إلى ضرورة منع قيام أي وحدة عربية أو نهضة إقليمية يمكن أن تشكل تهديداً لمصالح الغرب الاقتصادية والاستراتيجية.

وأضاف “غزال” أن أحد أهم مخرجات تلك الرؤية الاستراتيجية تمثل في فكرة زرع كيان غريب يفصل المشرق العربي عن المغرب العربي ويكون مرتبطاً حضارياً وسياسياً بالغرب، وهو ما تجسد لاحقاً في المشروع الصهيوني الذي انتهى بإقامة دولة إسرائيل في قلب المنطقة، لتصبح – بحسب كثير من التحليلات الجيوسياسية – نقطة ارتكاز رئيسية في منظومة النفوذ الغربي في الشرق الأوسط.

وأشار إلى أن اتفاقية سايكس–بيكو عام 1916 لم تكن مجرد تقسيم جغرافي عابر، بل كانت خطوة مفصلية في إعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة وفق مصالح القوى الاستعمارية، حيث جرى تقسيم العالم العربي إلى كيانات سياسية متعددة بحدود مصطنعة، بما يمنع تشكل قوة إقليمية موحدة قادرة على التحكم في مواردها أو صياغة سياسات مستقلة عن الإرادة الدولية.

وأوضح أن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية شهدت تحولاً في أدوات السيطرة على المنطقة، حيث تراجع الاستعمار المباشر، لكنه لم يختفِ تماماً، بل أعاد إنتاج نفسه في صورة أكثر تعقيداً يمكن وصفها بالإمبريالية الحديثة، التي تعتمد على أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري والإعلامي لإدارة الصراعات وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.

وأكد علي أن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت منذ نهاية الحرب الباردة القوة الأكثر تأثيراً في إدارة التوازنات في الشرق الأوسط، بينما لعبت إسرائيل دور الشريك الاستراتيجي في العديد من السياسات الإقليمية، وهو ما جعلها – في نظر كثير من التحليلات – أحد أهم ركائز الحفاظ على التفوق العسكري والسياسي في المنطقة.

وتابع قائلاً: إن أخطر ما شهدته المنطقة خلال العقدين الأخيرين هو استهداف مفهوم الدولة الوطنية العربية، موضحاً أن الدولة – رغم ما قد يعتريها من أزمات أو أخطاء – تبقى الإطار السياسي الذي يحفظ وحدة الأرض والشعب ويمنع انهيار المجتمعات، مضيفاً أن الجيوش الوطنية تحديداً تمثل العمود الفقري للدولة الحديثة، ولذلك كانت هدفاً رئيسياً لمحاولات الإضعاف والتشويه في العديد من الصراعات التي شهدتها المنطقة.

وأشار إلى أن بعض التحولات السياسية التي رافقت ما عُرف بالربيع العربي أدت في عدد من الدول إلى انهيار مؤسسات الدولة أو إضعافها، كما حدث في سوريا وليبيا واليمن، الأمر الذي فتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية واسعة، وحول تلك الدول إلى ساحات صراع تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى.

وأكد علي أن هذه الحالة من التفكك إذا استمرت قد تؤدي إلى تحويل المنطقة إلى مجموعة من الكيانات الهشة والمتناحرة، وهو ما يخلق واقعاً جيوسياسياً تصبح فيه إسرائيل الدولة الأكثر تماسكاً وقوة عسكرية في الشرق الأوسط، وسط محيط إقليمي يعاني من الانقسامات والصراعات الداخلية.

وتطرق المفكر السياسي محمد غزال إلى ما يجري في غزة، معتبراً أن هذه الحرب تمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة النظام الدولي على حماية القوانين والمواثيق الإنسانية، مشيراً إلى أن ما يحدث هناك يعكس خللاً عميقاً في منظومة العلاقات الدولية، حيث تبدو المؤسسات الدولية عاجزة في كثير من الأحيان عن فرض قواعد العدالة أو حماية المدنيين من ويلات الصراع.

وأضاف أن غزة لم تعد مجرد ساحة مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى رمز للصراع بين منطق القوة ومنطق القانون في النظام الدولي المعاصر، مؤكداً أن استمرار هذا الواقع يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل النظام العالمي ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين المصالح السياسية والقيم الإنسانية.

وأشار إلى أن الإنسان العربي هو الطرف الأكثر تضرراً من هذه الصراعات، حيث دفعت شعوب المنطقة أثماناً باهظة من الاستقرار والتنمية، وتحولت ملايين الأسر في عدد من الدول العربية إلى لاجئين أو نازحين نتيجة الحروب والأزمات السياسية.

وأوضح أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى تغيرات ديموغرافية واجتماعية عميقة في المنطقة، كما قد يخلق أجيالاً كاملة نشأت في ظل الحروب وعدم الاستقرار، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً لمستقبل التنمية والاستقرار في العالم العربي.

وشدد على أن مواجهة هذه التحديات تتطلب إعادة صياغة رؤية عربية مشتركة تتجاوز الخلافات السياسية والأيديولوجية الضيقة، وتضع الحفاظ على استقرار الدولة الوطنية في صدارة الأولويات، مؤكداً أن استقرار أي دولة عربية لا يمثل قضية داخلية فحسب، بل هو جزء من منظومة الأمن القومي العربي ككل.

وأوضح أن التجارب التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية أثبتت أن سقوط أي دولة في الفوضى لا يبقى تأثيره محصوراً داخل حدودها، بل يمتد ليؤثر على استقرار المنطقة بأكملها، وهو ما يجعل من التعاون الإقليمي ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار سياسي.

وفي ختام تصريحه، أكد علي أن التحدي الأكبر الذي يواجه العالم العربي اليوم هو تحدي الوعي، مشيراً إلى أن فهم طبيعة الصراعات الجيوسياسية التي تحيط بالمنطقة يمثل الخطوة الأولى نحو بناء استراتيجية قادرة على حماية مصالح شعوبها.

وختم قائلاً: إن التاريخ لا يرحم الغافلين، كما أن الجغرافيا لا تعترف بالضعفاء، مشدداً على أن اللحظة الراهنة تتطلب قدراً أكبر من الإدراك المشترك بأن مستقبل المنطقة لن يُصاغ إلا بإرادة أبنائها، وأن الحفاظ على الدولة الوطنية واستقرارها هو خط الدفاع الأول عن حاضر الأمة العربية ومستقبلها.

الكاتب من مصر

قد يعجبك ايضا