تقرير كندي: الكويت.. بيئة التسامح وسط لهيب المنطقة
محمد أمين
في صبيحة أحد أيام الجمعة من شهر فبراير بالقرب من الحدود الكويتية العراقية، التقت مجموعة من معلمي المدارس من المواطنين والوافدين – بمن فيهم السنة والشيعة، في إحدى مزارع المنتجات العضوية على مقربة من الحدود مع العراق، وقاموا بقطف الثمار وتبادل الأحاديث وشرب الشاي الأخضر.
في منطقة تعج بالصراعات، لا ينتبه العالم الخارجي الى التسامح الديني السائد في الكويت. فالانقسام الشيعي السني الذي يشكل محور العنف في الشرق الأوسط – والذي يلهب نار العداء – يلقي بظلاله على الكويت.
المواطنون الشيعة في الكويت يمارسون طقوسهم الدينية في العلن ولا يخفون انتماءهم الديني، وهو أمر غالباً ما يتم إخفاؤه بعناية في بعض الدول.
وربما كانت الأسباب في الغالب عادية، فمعظم الزوار يأتون إلى الكويت للقيام بمهمات تجارية، والصراع الديني يضر بالتجارة. وبالنظر إلى أن الكويت ليس لديها صناعة سياحية، فإنها تستفيد تجارياً من الناس القادمين من الخارج للعيش والعمل. والعامل الرئيسي الذي يجذب المغتربين هنا هو بيئة البلد المتسامحة.
وورد في تقرير نشره موقع opencanada الكندي أن الكويتيين السنة تربطهم علاقات تاريخية مع الطائفة الشيعية، ويحرصون على الحفاظ على هذه العلاقات.
ومن الوسائل التي تتخذها الكويت لحماية الأقليات الدينية هي الإجراءات القانونية، مثل قانون الوحدة الوطنية الذي يحظر صراحة «إثارة الفتنة الطائفية»، وتوفير الأمن والحماية عند الضرورة، كما حدث بعد تفجير مسجد الصادق عام 2015؛ وتعزيز التقارب الاجتماعي من خلال الرسائل التي تبعث بها الحكومة ووسائل الإعلام والشركات اثناء المناسبات والاحتفالات الدينية.
والحفاظ على الوحدة الوطنية لا يخلو من التعقيدات. فالحكومة تجرِّم نشر ما تعتبره محتوى مسيئا، بما في ذلك، على وسائل التواصل الاجتماعي.
ووفقاً لتقرير الحريات الدينية الدولية الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية عام 2017، فإن الحكومة تفرض الرقابة على الرسائل التي يتبادلها رجال الدين، بما في ذلك تلك التي تشترك فيها مجتمعات الأقليات الدينية.
لكن تسامح الكويت تجاه الأقليات يعتبر عموما افضل مما هو عليه في البلدان المجاورة. وينعكس هذا التسامح على سبيل المثال، في الدستور الكويتي، الذي يكرس الإسلام كدين للدولة ومع ذلك يحمي الحق في الحرية الدينية.
وبينما يحظر القانون على غير المسلمين القيام بالتبشير، فإن لدى الكويت نظاما قضائيا يحمي المواطنين الذين يدعون إلى «نقاش عام أكثر حريةً وانتقادا».
وفي بعض الأحيان ، تأتي هذه الحماية على حساب حرية التعبير لكل من الكويتيين والوافدين.
ويورد تقرير الخارجية الأميركية أن «القانون يجرّم نشر وبث المحتوى (بما في ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي)، الذي تعتبره الحكومة مسيئاً للمجموعات او الطوائف الدينية، وينص على غرامات تتراوح ما بين 10 آلاف و200 ألف دينار كويتي (33 ألف دولار إلى 665 ألف دولار أميركي)، وعقوبة قد تصل الى السجن سبع سنوات. ويتعرض غير المواطنين المدانين بموجب هذا القانون إلى الإبعاد». ومع ذلك، فإن هذا التشدد يكشف عن إدراك الكويت للطابع الدقيق للحرية الدينية.
أبرز تجليات التسامح
لقد ظهرت ابرز تجليات التسامح الديني في الكويت بعد التفجير الانتحاري عام 2015 لمسجد الإمام الصادق في مدينة الكويت على يد خليجي ينتمي إلى «داعش». حيث زار سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد المسجد، بعد ساعات من التفجير، للدعوة إلى الوحدة بين الكويتيين.
ويقول إبراهيم المرعشي، الأستاذ المشارك في التاريخ بجامعة ولاية كاليفورنيا، إن «الكويت كانت عموما متسامحة مع الأديان الأخرى، أكثر من معظم دول الخليج الأخرى، ربما باستثناء عُمان».
ويشرح المرعشي أن المواطنين الشيعة في الكويت لهم تاريخ طويل في البلاد (معظم الشيعة الكويتيين هاجروا تاريخياً من إيران والمملكة العربية السعودية والعراق ودول مجاورة أخرى). ويقول ان «علاقات تجارية قديمة تعود الى قرون ربطت أسرة آل الصباح مع عائلات شيعية كويتية».
ويضيف: «عندما نتحدث عن عائلات شيعية كويتية، فإننا في الواقع، نتحدث عن عائلات إيرانية – يمكنك معرفتها من أسمائها الأخيرة. وهناك عدد كبير من الكويتيين الشيعة الذين لديهم عائلات إيرانية.. يعتبرون انفسهم مواطنين، لكنهم لا يزالون يملكون القدرة على التحدث باللغة الفارسية التي حافظوا عليها عبر الأجيال».
التحول الحقيقي
التحول الحقيقي، كما يقول المرعشي، حدث خلال حرب الخليج عام 1991، عندما صمد عدد كبير من المواطنين الشيعة وانضموا إلى المقاومة الكويتية.
فاطمة السويط، وهي مستشارة تربوية كانت ممرضة حرب خلال حرب الخليج، تشرح أن الحكومة الكويتية جادة في دمج مكونات المجتمع، و هذا واضح في مؤسسات الدولة.
وتوضح أن «حكومتنا تحاول جعلنا جميعًا متساوين.. وحتى على مستوى البرلمان، هناك الشيعة والسنة والبدو وغيرهم. ويمكن للشيعي ان يكون وزيرا.. ويمكنه شغل المناصب الرفيعة الأخرى، وينطبق الشيء ذاته على السنة».
ومع ذلك، تشرح السويط أن بعض المناصب مثل وزارة الدفاع أو المناصب الحساسة – مخصصة فقط لأبناء الأسرة الحاكمة.
وتشير السويط إلى أن تأكيد الحكومة على حرية الدين وتحقيق الاندماج يأتي من الرغبة في الحفاظ على الوحدة الوطنية، وقالت: «لا نريد لمثل هذه الامور ان تفرقنا.. ولا نريد حرباً أهلية بيننا.. نريد دائما أن نكون لُحمة واحدة. أعلم أن هناك اختلافات بيننا وطرق تفكير مختلفة، واعرف ان التزاوج صعب بيننا – على الرغم من انه يحدث – لكن شيئا واحدا يربطنا ويجعلنا متحدين: إنه حب هذا الوطن».
حرية العبادة
ويعتقد ريحان مهدي، وهو شيعي من الهند انتقل إلى الكويت قبل عقد من الزمن مع عائلته، أن الكويت تحقق التوازن الصحيح بين مختلف الطوائف.
ويقول مهدي، الذي عمل سابقاً في السعودية ويعمل حالياً كمستشار في ديوان المحاسبة، إن «الكويت منفتحة بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بمسائل العبادة، وأن هذا يجعل عائلتي تشعر بالارتياح.. وفي مكان عملي، توجد قاعة صلاة كبيرة في الطابق العلوي يصلي فيها الجميع.. ويوجد في الكويت كنائس، وهناك حرية كاملة عندما يتعلق الأمر بالعبادة الدينية».
وعندما سُئل عن الطريقة التي تأثر بها الشيعة بعد هجوم 2015، يقول مهدي إن هناك زيادة في الأمن في المساجد الشيعية، بما في ذلك وجود الشرطة خلال صلاة الجمعة.
وأعرب إمام شيعي (لأحد أكبر مساجد منطقة ميدان حولي، والذي فضل عدم ذكر اسمه)، عن اعتقاده بأن الكويت أصبحت أقل تسامحا خلال العقود القليلة الماضية مع تأثير بعض الحركات». ويعتقد أيضا أن هذا التحول نحو التعصب بدأ في السبعينات مع اندلاع الثورة الإيرانية، مشيرا إلى أنه جعل بعض السنة الكويتيين يشككون في ولاء بعض نظرائهم الشيعة.
لقد ساعدت حرب الخليج في توحيد البلاد، لأن العديد ممن خدموا في الخطوط الأمامية كانوا شيعة كويتيين، لكن يرى البعض انه بعد سنوات قليلة من الوحدة، بدأت الانقسامات القديمة في الظهور من جديد.
ويقول الإمام الذي رفض الكشف عن هويته: «عندما كان هناك هجوم انتحاري في مسجد شيعي، كان هناك رفض عام للجريمة».
وبشكل عام، ينظر إلى الكويت على أنها تقيم علاقات وثيقة مع الطائفة الشيعية، بالاضافة الى مواقفها المعتدلة والتي يعززها الموقع السياسي والإقليمي للكويت.
والناس من خلفيات دينية متنوعة مستعدون لمغادرة بلدانهم للعمل في الكويت والمساهمة في اقتصادها بسبب ما يشعرون به من حرية وأمان.
OPENCANADA.ORG
مجلس مستقل تأسس عام 1928، متخصص في العلاقات الخارجية يتخذ من مدينة تورنتو مقراً له، ويهدف إلى تعزيز الدور الكندي في الشؤون الدولية.
المصدر : القبس