تصريحات ترامب عن حل الدولتين.. مجرَّد خدعة!

د. جيمس زغبي

 

إذا تعلمنا شيئاً من الرئيس دونالد ترامب، فهو أن الكلمات ليست لها معنى، أو على الأقل ليس لها معنى واضح. ولأنه ممثل بائع أو ممثل، فإنه يحب الوقوف على خشبة المسرح، مع علمه بأن الأشياء التي يقولها سيكون لها ردود أفعال. في العديد من الحالات يقول شيئاً صادماً، مع علمه بأنه سيسبب صرف الانتباه عن شيء آخر. ونتيجة لذلك، فعندما أسمع بعض تصريحات ترامب الغاضبة في حشد أو في تغريدة، أو يرتكب انتهاكا جديدا للأصول في مؤتمر صحافي، أتساءل أولاً: لماذا قال ما قال بدلاً من أخذ ما قاله بظاهر القول.
ولذلك، فعندما سمعت ترامب الأسبوع الماضي مرتين يشير إلى حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لم أكن متحمسًا، كما فعل بعض المعلقين الإسرائيليين من اليمين واليسار، وحاولت فهم اللعبة.
جاء أول ذكر لحل الدولتين خلال تصريحات صاحبت اجتماعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو. وفي إجابة على سؤال حول ما إذا كان يؤيد حل الدولتين أم لا، أجاب: «أنا أحب حل الدولتين. أحب حل الدولتين»، وكرر ذلك مرتين، كما لو كان من أجل التأكيد.
ثم نظر إلى نتانياهو وقال مرة أخرى: «أنا أحب حل الدولتين. نعم، هذا ما أعتقد أنه يعمل بشكل أفضل. لا أريد حتى أن أتحدث إلى أي شخص، هذا هو شعوري. الآن، ربما لديكم شعور مختلف (لا أعتقد ذلك)، لكنني أعتقد أن حل الدولتين هو الأفضل».
في وقت لاحق، وفي حدث صحافي آخر، في تصريحات أخرى، قال ترامب: «أعتقد أننا نسير في طريق حل الدولتين، وأنا سعيد لذلك. معظم الناس في إسرائيل يقبلون بهذا الحل، لكن لا أحد يريد أن يعلن عن ذلك، والآن، فإن النقطة الأساسية هي انه إذا كان الإسرائيليون والفلسطينيون يريدون دولة واحدة، فهذا أمر جيد بالنسبة لي. إذا كانوا يريدون دولتين، فلا مانع لدي، أنا سعيد إذا كانوا هم سعداء، أنا أحاول تسهيل أمورهم.. وأعتقد أن حل الدولتين هو الأرجح.. والأفضل؛ لأنه يتيح الفرصة لكل من الشعبين أن يحكموا أنفسهم».
قد يسأل سائل: ما الذي كان يحاول أن يقوله ترامب؟ لم يعط ترامب أي إشارة إلى أن ما كان يدعمه يمكن تفسيره على أنه تلبية لشروط الحد الأدنى من الاستقلال للفلسطينيين المتمثلة في إقامة دولة مستقلة على أساس حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وقال نتانياهو، بعد وقت قصير من تصريحات ترامب، إن كل شخص يعرّف مصطلح «الدولة» بشكل مختلف. أنا أرغب في أن يتمتع الفلسطينيون بسلطة حكم أنفسهم من دون إلحاق الأذى بنا. وتماشياً مع ذلك، أصر نتانياهو على أن إسرائيل لن تتخلى أبداً عن السيطرة الأمنية على جميع الأراضي «غرب نهر الأردن» – وهو القلق الذي قال نتانياهو إن الرئيس الأميركي يتفهمه. وفي حديثه في اليوم التالي، أوضح السفير الأميركي في إسرائيل ديفيد فريدمان انه «حين يحدث تعارض بين الحكم الذاتي الفلسطيني والأمن الإسرائيلي، فإننا نقف إلى جانب الأمن الإسرائيلي».
أي ان مفهوم ترامب الغامض لحل الدولتين يذكرنا بخطة مناحيم بيغن للحكم الذاتي الفلسطيني الذي يتيح الفرصة للفلسطينيين للسيطرة على أنفسهم وامورهم المحلية، ولكن دون ان تكون لهم اي سيطرة على الأرض او الموارد أو الحدود أو الأمن. فهذه ستبقى بيد اسرائيل.
وفي ضوء ذلك، لم يكن في نية ترامب اتخاذ موقف جديد، بل محاولة بث حياة جديدة في صيغة قديمة وغير مقبولة من خلال وصفها بأنها «حل الدولتين». فإذا كانت هذه الصيغة لا تعني سوى القليل، فلماذا أطلق الرئيس ترامب هذه التصريحات في هذا الوقت وبهذه الطريقة؟
فالتصريحات، في المقام الأول، لم تكن زلة لسان غير مقصودة، بل كانت متعمدة بعد أن كرّرها مرتين، ولأنه تباهى بأن ذلك «شيء كبير». فمن الواضح أنه أراد أن يلاحظها الجميع وأن تُحدث ردود فعل قوية.
لم يكن المقصود من الدعوة إلى حل «الدولتين» إحراج نتانياهو أو دفعه لتقديم تنازلات للفلسطينيين. لا شيء من ذلك بدا في لغة جسد ترامب أو في بقية لقائه الودي مع الزعيم الإسرائيلي، يقود إلى مثل هذا الاستنتاج. ولا شيء في إجراءات السياسة الأميركية الأخيرة (نقل السفارة إلى القدس، قطع المساعدات عن الأونروا والسلطة الفلسطينية، ونيتهم المعلنة لإعادة تعريف من هو اللاجئ الفلسطيني، والجهود المبذولة لنزع الشرعية عن منظمة التحرير الفلسطينية) أو التقاعس عن التحرك (رفض توجيه الانتقاد علنا ضد مشاريع الاستيطان الضخمة أو عمليات هدم المساكن والقرى الفلسطينية)… كل ذلك لا يشي بأي تغير في سياسة هذه الإدارة تجاه الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.
يبدو أن ذكر حل الدولتين، في هذا الوقت، قيل لمجرد التأثير وليس اعترافا جدياً بحقوق الفلسطينيين. لكن ما الهدف من ذلك؟
ربما كان المقصود منه أن يبدو أن «الصفقة النهائية» التي طال انتظارها (ولكن لم تعد متوقعة) لا تزال تستحق الانتظار. أو ربما تم تصميمها لتجنب الانحراف المتوقع الذي كان من المؤكد أن إدارة ترامب ستحصل عليه (وفي الواقع قد حصلت عليه) في خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمام الجمعية العامة. وربما ارادت الادارة من ذكر «حل الدولتين» تهدئة مخاوف الحلفاء العرب القلقين، الذين اعترف ترامب في مؤتمره الصحافي أنهم أبلغوه مرارًا وتكرارًا بأن حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو مفتاح السلام في المنطقة.
وهكذا، كان ترامب، الذي يستخدم دائمًا الكلمات الملتوية، وفرقعات رجل المبيعات للفت الانظار، يلجأ إلى إغراء حل الدولتين في محاولة لتصدّر عناوين الأخبار. ومع ذلك، لم ينجح في ذلك. فقد أدان الفلسطينيون تصريحاته وتجاهلها معظم العرب. يبدو أن «التهديد بحل الدولتين» لم يخلق في الحقيقة سوى القليل من ردود الفعل في إسرائيل حيث هدد أحد شركاء نتانياهو في الائتلاف الحكومي بالانسحاب من الحكومة اذا أقيمت دولة فلسطينية. وسرعان ما هدأ بعد تطمينات نتانياهو.
في النهاية، يبدو أن ردود الفعل التي توخاها ترامب من تصريحاته لم تأت أبداً.

د. جيمس زغبي *

* رئيس المعهد العربي- الأميركي في واشنطن.

قد يعجبك ايضا