سقوط خاشقجي مرتين في فخ الأدواتية “الجزيرة” تتوقع تحميل القضية لطرف ثالث وموقف ترامب المراوغ بين سكريبال وجمال
لينا أبو بكر
دخل لجوازة لم تتم، وخرج في جنازة إعلامية، تليق بعريس من جهة أمنية، أما مصير القضية الإعلامية المتعلق بصحافي تتناهبه المصالح، فعلى عهدة القيصر بوتين: “الأمر كله مجرد حملة معلومات تم تضخيمها، لكنها ستمر وتنتهي، وكلما انتهت بسرعة كان أفضل”، وهذه عقيدة إعلامية محنكة، تقوم على المطمطة، التي تبرد القضية، وتمتص الشحنات العاطفية للمشاهد رويدا رويدا، حتى تتلاشى كأنها لم تكن، وتغيب عن المشهد، الذي يَغُذُّ البحث عن تفاصيلها، لا ليعثر عليها بل ليفقدها، كأثر بعد عين!
يحق لبوتين، أن يعتبر من يطلب اللجوء لأرض معادية ويخون بلاده: حثالة، ويحق له أيضا، رغم كل النفخ العضلي في المحركات الإعلامية الغربية، أن يقتل من يخونه، ولو بسياحة دينية، قام بها عقيد في الاستخبارات العسكرية الروسية منحه بوتين ميدالية بطل الاتحاد الروسي قبل أربع سنوات، حسب نتائج موقع التحقيقات الاستقصائية البريطانية الالكتروني، فمن المجرم تحديدا بنظر الإعلام: بوتين الذي أمر، أم الخائن سيرغي سكريبال، الذي مات نصف موتة، أم العقيد الذي قتل؟
ولنبدأ بترامب، من حيث انتهى أمير الظلام، الذي خرج بأكثر التصريحات الإعلامية حمقا في تاريخ جُحا الأمريكي، فهو لا يعلم أكثر مما يعلم الآخرون عن اختفاء صحافي الـ”واشنطن بوست”؟ تخيل أي تسفيه للذكاء يمارسه هذا البهلواني؟
هل استسلم الإعلام البريطاني لحق بوتين بالانتقام من خائن وطني؟ أم أن اعتراف بوتين المضمر بالجريمة، ما هو إلا استباق متأخر، لما تم إعلانه سابقا بمواربة مكشوفة؟! بهذا المعنى إذن لا يمكنك أن تعتبر خاشقجي شهيدا كغسان كنفاني وناجي العلي مثلا، ليس لأن القاتل لا يدخل في نطاق الأهلية الأخلاقية والوطنية للجريمة، بل لأن المقتول صحافي عربي تبنته أمريكا، ليصبح ابن القاتل بالتبني!
ولأن ربك يحيي ويميت، فإن خاشقجي، حسب التوقيت الإعلامي لا هو حي ولا هو ميت، بل إنه في غيبوبة إعلامي، أو منطقة فاصلة بين حياتين أشبه بالبرزخ، يراوح هناك مكانه، حتى ينتهي الجميع من ترتيب الصفقة بما يتلاءم والمصالح المشتركة! لعبة الموت يا فاطمة التريكي إذن، لم تكن هناك في السفارة، إنما وقعت فعلا قبل أن يموت خاشقجي، بل لا حاجة لموته أصلا كي تتم الجريمة، التي لعب هو فيها دور المقتول، وبإرادة حرة، ووعي مغشوش… كما سآتي عليه لاحقا في تقرير التريكي!!
جُحا الأمريكي
طيب، متى ينتحر الإعلامي؟ ومتى يستشهد؟ متى يُقتل ومتى يُعدم؟ وكيف يكون خائنا ثم يصبح بطلا؟ ثم أين يتجلى نضاله في سبيل الحرية وهو الذي تربى في هذا المكان؟ هل الحرية الإعلامية سلوك فطري، أم مزاج سياسي أم لعبة مصالح، أم هي دعاية أم أيضا ورقة؟ ألا يلعب خاشقجي الآن، الدور نفسه الذي لعبه الجاسوس الروسي، الذي لا يمكن أن يكون ضحية، فدور هؤلاء عادة لا يتعدى في هذه اللعبة دور الكرت، الذي يتبادله الخصوم جميعهم، وليس من مصلحة أي منهم أن يحتفظ به، كالحريري والأسد والأميرة ديانا وناصر والسادات وصدام وترامب، ولنبدأ بترامب، من حيث انتهى أمير الظلام، الذي خرج بأكثر التصريحات الإعلامية حمقا في تاريخ جُحا الأمريكي، فهو لا يعلم أكثر مما يعلم الآخرون عن اختفاء صحافي الـ”واشنطن بوست”؟ تخيل أي تسفيه للذكاء يمارسه هذا البهلواني؟ إنه المشهد الأكثر وضوحا، بين كل المشاهد المخبأة في الصناديق الدبلوماسية، التي تطرح أهم سؤال غاب عن الشاشات: هل قُتل خاشقجي أم انتحر؟ عداك عن تقرير “الجزيرة”، الذي بثته صباح الأربعاء، تتوقع فيه أن يتم تحميل الجريمة لطرف ثالث، أو لخطأ أثناء التحقيق، فإن هناك جريمة إعلامية كبرى تنتظر محاكمة أكثر عدلا من الجريمة السياسية، ألا وهي حلقة ترامب بين خاشقجي وخطيبته، فرغم كل الحملات الإعلامية السامة التي تحارب ترامب، ولم يقو على استحداث مصل إعلامي أو قانوني أو حتى استخباراتي، مضاد لها، تجده ينجح فقط بإخراس صحافي عربي تجرأ على انتقاد استغلاله المادي لإذلال بلاده!! وإلا لماذا تم السماح لخاشقجي بمغادرة السعودية أصلا؟! ولماذا لم يُقتل من قبل، رغم كل ما أشيع عن تقاربه مع تركيا وعن مشروع مؤسسة “الفجر للحريات”، فهذه كلها أمور موجودة من قبل، ولم يفرج عنها إعلاميا سوى بعد أسبوع من اختفائه! وكلها تثبت بشكل أو بآخر، سقوط خاشقجي مرتين في فخ الأدواتية: حين انتقد ترامب في إعلام أمريكا، وحين اختفى في تركيا! في ذات الوقت الذي تناشد فيه خطيبته ومن الأراضي التركية، ترامب بالتدخل لكشف ملابسات اللعبة؟ فأين العار أيها المشاهد؟! هل هو في حيلة الضعيف؟ أم في طمأنينته أم في معلوماته، التي لم يصرح بها بعد؟
التنافس الإعلامي أخذ منحى انتقاميا، واستغلاليا عبر هذه الجريمة، التي لم يسلم منها الميت ولا غيره، وتحولت الحروب السياسية العظيمة إلى حروب صيصان الكترونية، أو حارات كيد النسوان، وتشوهت الصورة بأكملها، فكل يستقطب الميت إلى شاشته، على طريقة: “خليلة آمون”، التي انتهى بها المطاف من وريثة لعرش الفراعنة، إلى جثة في مقبرة “وادي الملوك”! فمن الذي استفاد حقا من اختفاء خاشقجي: السياسيون أم الإعلاميون؟
مراجيح إعلامية
خاشقجي، صاحب الأصول التركية، المهاجرة من الأناضول إلى الحجاز، قبل خمسمئة عام، اختفى على مفترق جذور ومنابت وهويات مستعارة، في حرب إعلامية طاحنة اقتحمها كأضحية لا كضحية، كان أميرا إعلاميا، إن جاز القول، أكثر منه تابعا للأمراء الذين صنعوه، وربما يكون هو القربان الأنسب لتصفية الحسابات مع “ترامبو” بين قطبي الخلافة في العالم الإسلامي، فكيف يكون بطلا حين يخون نفسه مرتين؟
ترامب الذي لم يزل يراوغ الإعلام بادعائه عدم الاطلاع على التفاصيل، هو الوحيد الذي يعلم كل شيء، واللعبة الآن أكبر من خاشقجي، وتتجاوزه كثيرا، فهي أبعد من أصوله وأقرب إلى موته من وريد حبره، ولذلك فهو شريك مهم في الجريمة، ليس لأنه رَضِيَ أن يكون الميت الأهم فيها، إنما لأنه عاش أكثر مما يلزم أمير الظلام الأشقر، الذي يجيد المرجحة فوق الحبال الإعلامية المقطوعة!
فاطمة التريكي: أنا صاحي!
لعبة فاطمة التريكي هي الكلمات، كلمات ليست كالكلمات، صوت يخرج من روح تشف ولا تصف، من حنجرة مكممة، من حبر سري، لا تدري كيف ترى الحدث مع فاطمة مختلفا، إلى الدرجة الذي تؤجل فيه وعيك، حتى تنتهي من الإصغاء إلى قصصها، الذي يملك مهارة استثنائية بتحويل شهرزاد التاريخية إلى صحافية معاصرة، لها من براعة الأداء والتأثير، سحر غريب، لا ينسيك الميت بقدر ما يجعلك تشعر أنه على الخط المباشر مع فاطمة، مستمتعا بموته، وهو يصغي إليها، طالبا منها ألا توقظه، طامعا بالمزيد من كلماتها: أطربيني أطربيني!
وبين موت القتيل أو ادعائه الموت، لا يمكنك أن تعثر على القاتل بمنشار الأعضاء المبتورة، أو بطائرة أو وفد أو سفارة أو زقاق اسطنبولي، أو حتى حمض نووي، لإنو بصراحة مش مهم الميت يموت، ولا حتى مهم أن يصحو من موته، فالحدث الإعلامي دائما ما يخطف الأضواء من الحدث البوليسي، والدليل مطالبة الصحافيين للمخابرات الأمريكية بالتحقيق في ملابسات جريمة ورطت بها وطنين في مواطن مزدوج! فكيف تطلب من المجرم أن يكون قاضيا، ومحققا ومخلصا!
كل جريمة هي فتنة، والحياة تكافئ وتعاقب، ومن كان بالأمس فقط يطالب بتقطيع أيدي المتمردين، وغيرهم، هاهو، يتعرض للتمثيل الإعلامي بولاءاته المتأرجحة، فإن كنت عادلا أيها المشاهد، لا تكن مع القاتل، ولا تكن أيضا مع القتيل، لأنه شريك في الجريمة!
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن