“واشنطن بوست”: لماذا اختفاء خاشقجي سيطارد ابن سلمان وسيقوض مشروعه التحديثي؟
وهج 24 : يقول إليوت أبرامز، الزميل البارز في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، والذي عمل نائباً لمستشار الأمن القومي في عهد جورج دبليو بوش، إن اختفاء الصحافي جمال خاشقجي وقتله حسب التقارير سيخلف ضحايا، بدءاً من عائلته إلى خطيبته، ولكن الحكومة السعودية ستعاني من ضرر كبير لسمعتها إلا في حال قررت الحديث والكشف عن تفاصيل هذا الحادث المرعب.
وكتب أبرامز في صحيفة “واشنطن بوست” أنه ومنذ ظهور الحكومة الحالية بقيادة الأمير محمد بن سلمان، قال النقاد، بمن فيهم خاشقجي إن المميز العظيم لها والعيب الرئيسي هو الطغيان، حكم الرجل الواحد في ظل ولي العهد، وأضيف إلى هذه الأوصاف تهوره وقلة تجربته وقمعه لأي نقد يتعلق بنهجه للتحديث.
مقتل خاشقجي إن ثبت سيكون ضربة لكل هذه التوقعات والآمال إلا في حال قدّم السعوديون توضيحات وتحملوا المسؤولية، فهذا الحادث ليس الأول الذي يثير أسئلة حول طريقة صناعة القرار في السعودية
ويضيف أبرامز أن المدافعين وهو واحد منهم، قالوا إن ابن سلمان هو في الجوهر وبالمعنى التقليدي للمصطلح “الديكتاتور المتنور”. وبهذا الحس فقد استخدم ابن سلمان رغم حكمه المطلق سلطته لتحقيق إصلاحات اقتصادية واجتماعية وتحديث بلاده ومعالجة الكثير من مشاكل التنمية التي عرقلت السعودية رغم ثروتها. وعلى ما يبدو فقد حد من سلطة رجال الدين وحسن من وضع المرأة ودورها، وتبنى خططاً لخلق اقتصاد منتج لا يعتمد على إنتاج النفط، مشيراً إلى أن إصلاحاته لم تشتمل على إصلاحات سياسية، حيث قمع نقاده وبقسوة بمن فيهن النساء اللاتي طالبن بوتيرة سريعة للإصلاح.
المستبد…
ويعتقد الكاتب أن هذه الإجراءات يمكن الدفاع عنها ضمن نموذج “المستبد المتنور”، فالخطوات التي بادر ابن سلمان لاتخاذها، راديكالية، وتواجه أعداءً كثراً في الداخل، ولهذا فالحفاظ على وتيرة الإصلاح قرار محفوف بالمخاطر، ويجب أن يحتفظ بزمام المبادرة بيده، وأن لا يستسلم للضغط العام كي يسرع أو يبطئ مسار الإصلاح، ويقول إن احتجازه عدداً من الأثرياء السعوديين في فندق ريتز كارلتون حتى يدفعوا الفدية، كانت خطوة حظيت بشعبية بين السعوديين، لاعتقادهم أن قلة من المحتجزين بنوا ثرواتهم بطرق شرعية. والفدية التي دفعوها هي مقابل الضرائب التي تهربوا من دفعها.
ويرى أن هذا هو الدفاع عن مبادرات الإصلاح التي رافقها القمع، لكن اتهام التهور لا يوجد دليل يدعمه أو يمكن من خلاله الدفاع عن ولي العهد، ففي العام الماضي كان النقاش الدائر بين الخبراء والمراقبين والذي شارك فيه أبرامز، يدور حول نجاح التجربة السعودية، وزادت زيارته التي استمرت أسبوعين للولايات المتحدة من الحماس لمشاريعه.
ضربة للآمال…
ويرى أبرامز أن مقتل خاشقجي إن ثبت سيكون ضربة لكل هذه التوقعات والآمال، إلا في حال قدّم السعوديون توضيحات وتحملوا المسؤولية، فهذا الحادث ليس الأول الذي يثير أسئلة حول طريقة صناعة القرار في السعودية، فالخطة لعرض أسهم شركة “أرامكو” في البورصة ظهرت واختفت مثل سراب الصحراء، مما يقترح أن خطة ولي العهد الاقتصادية لم تكن واقعية.
أما الأمر الثاني، فقتل خاشقجي يأتي بعد أسابيع من رد الفعل السعودي المفرط على تغريدة واحدة لحكومة كندا انتقدت فيها سجل حقوق الإنسان في المملكة، وطالبت بالإفراج عن ناشطات، واستدعت الرياض سفيرها من أوتاوا، وطردت السفير الكندي وعلقت التبادل التجاري وطلبت من المبتعثين السعوديين العودة من الجامعات الكندية، وكل هذا رداً على تغريدة، والآن جاء ما يبدو أنه عملية قتل في الخارج لناقد قضى وقتاً طويلاً في المؤسسة السعودية، ولم يكن ثورياً ولا متطرفاً إسلامياً ولا داعية للعنف و”لا أعرف جمال خاشقجي جيداً ولكننا التقينا وتحدثنا عن المملكة في أكثر من مناسبة، فأي دولة لا تنجو من رسائله النقدية الهادئة للعالم وتعتقد أنها مهزوزة بالتأكيد”.
فعندما أعدم النظام الثوري في فرنسا عام 1804 دوق إنجين، كتب معلق قائلًا: “إنها أسوأ من جريمة، إنها خطأ“. وقتل جمال خاشقجي هو جريمة عظيمة وخطأ فادح ويظهر نظاماً يعاني إما من غياب الإجراءات والسيطرة، أو أن قراراً متهوراً لقتل ناقد يعيش في واشنطن لا يمكن مناقضته أو مساءلته، وربما لم تعرف الحكومة السعودية أثر ونتيجة هذا على الحكومات والاستثمار ولكنه سيكون عميقاً.
وستصبح كل قرارات الحكومة محلاً للتساؤل ولن يتم الاعتراف بمصداقية الحكومة كحليف.
ويختم الكاتب بأن ابن سلمان قد يقوم بإصلاح بعض الضرر لو اعترف بالخطأ الذي ارتكبه، وبالتأكيد لن يصلح الضرر لمحبي خاشقجي، وستظل السعودية وتبقى ملكية مطلقة ولمدة طويلة. ولكن ما يجب على الأمير فهمه أن كل مشروعه التحديثي وبالتأكيد الدفاع عن سلطته الشخصية تقوض من خلال ما تقترحه كل الأدلة عن عملية قتل مدبرة. خسر خاشقجي السيطرة على مصيره عندما دخل القنصلية في اسطنبول وعلى محمد بن سلمان التحرك واستعادة السيطرة على مصيره.
المصدر : القدس العربي