خطيبة خاشقجي تكتب في “نيويورك تايمز”: كان وطنياً والقمع لن يدوم وسيدفع الطغاة ثمن آثامهم
وهج 24 : قالت خديجة جنكيز، خطيبة الصحافي المختفي جمال خاشقجي إن خطيبها “كان وطنياً وحيداً” وأن أفكاره سيتردد صداها من تركيا إلى السعودية وأبعد من هذا. وأكدت أن القمع لن يستمر وسيدفع الطغاة ثمن آثامهم. وقالت جنكيز التي تعد لشهادة الدكتوراة في جامعة اسطنبول في مقال نشر في قسم الرأي بصحيفة “نيويورك تايمز” إنها قابلت الصحافي خاشقجي بمؤتمر انعقد في اسطنبول في أيار (مايو) “وكنت مطلعة على عمله نظراً لاهتمامي بالشرق الأوسط ومنطقة الخليج تحديداً. وتحدثنا لمدة نصف ساعة عن السياسة. وتحدث خاشقجي عن التحولات الكبيرة التي تجري في بلده السعودية بشكل أثارت قلقه”.
وتضيف أنها كتبت له بعد ذلك وشكرته على المحادثة واستمرا بالحوار الذي تطور لعلاقة عاطفية “فقد أعجبت بشخصيته: حكمته وشجاعته لطرح أسئلة سياسية في هذا الجزء من العالم الذي نعيش فيه. وارتبطنا بحماسنا الشديد للديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير التي كانت المبادئ الرئيسية التي قاتل من أجلها”.
خاشقجي تجول في العالم ولكنه أحب بلده السعودية أكثر من أي مكان. و”لكن لم تبق له مساحة في بلده الأم وترك السعودية حاملاً حقيبتي سفر فقط وسط موجة القمع ضد المثقفين والناشطين الذين انتقدوا بن سلمان
وتقول إن عائلة خاشقجي تعود في جذورها إلى مدينة قيصري التركية وعمل على مدى 30 عاماً كصحافي، حيث اشتغل في “سعودي غازيت” وغيرها من النشريات، ورئيساً لتحرير الصحيفة المهمة “الوطن” وأدار قناة تلفزيونية وكتب مقالات صحافية وعمل مستشاراً لمسؤولين سعوديين بارزين، بمن فيهم الأمير تركي الفيصل الذي كان مديراً للمخابرات.
حقيبتا سفر فقط
وتضيف أن خاشقجي تجول في العالم بشكل واسع ولكنه أحب بلده السعودية أكثر من أي مكان. و”لكن لم تبق له مساحة في بلده الأم وترك السعودية حاملاً حقيبتي سفر فقط وسط موجة القمع ضد المثقفين والناشطين الذين انتقدوا ولي العهد محمد بن سلمان”.
وتقول إن جمال كان “وطنياً” ورفض وصف الناس له بالمعارض مفضلاً القول: “أنا صحافي مستقل يستخدم قلمه لخير بلده” و”غادر السعودية لأنها كانت الطريقة الوحيدة للكتابة والحديث عن القضايا والأفكار التي تهمه وللعمل بدون التنازل عن كرامته”.
وتتابع قائلة إن خاشقجي كان يفكر في لحظات الضيق بأصدقائه المعتقلين في السعودية ويحاول عزاء نفسه بالقول: “على الأقل يمكنني الكتابة بحرية في هذه اللحظة”. ولكنه كان يعاني من كوابيس مليئة بصراخهم وخيالاتهم. و”كان جمال يقول إن صوتي يجلب الفرحة على وجهه. وأفهم الآن ما كان يعني بعد غيابه لعدة أيام بدون معرفة مصيره”.
وتصف جنكيز خطيبها بالقول إن أجمل ما كان لدى جمال هو صدقه وقلبه المفتوح ودفئه. وكلما زادت معرفتنا ببعضنا بدأت أراه ليس كصحافي ناجح في مهنته ومفكر عرفه العالم، ولكن كرجل حساس تحرك في العالم بحنين مؤلم وثاقب لبلده. وطالما تحدث عن رغبته بالسير في شوارع المدينة التي ولد ونشأ فيها وقضى فيها ساعات يتحدث لأصدقائه”.
“أنا صحافي مستقل يستخدم قلمه لخير بلده” و”غادر السعودية لأنها كانت الطريقة الوحيدة للكتابة والحديث عن القضايا والأفكار التي تهمه وللعمل بدون التنازل عن كرامته
وقالت إن خاشقجي كان يعيش ويعمل منذ أكثر من عام في العاصمة الأمريكية، واشنطن. وأخبرها مرة قائلاً: “هذه الحياة بعيداً عن البيت والعائلة والأصدقاء والجو الروحي لبلدي هي عبء كبير”. وبالتأكيد شعر بالوحدة حيث كتب لها “عزيزتي خديجة، لدي صحتي وكل شيء لكن لا أحد يشاركني الحياة”، وكل ما كان يريده من شريكته في الحياة هو الحب والاحترام والصداقة.
وتضيف أن الحب وأحلام الحياة الجديدة معاً جلبته من واشنطن إلى اسطنبول للحصول على الأوراق الضرورية للزواج. وكان أمل الحياة معاً بسعادة هو ما دفع جمال للمشي باتجاه بناية القنصلية السعودية في ظهر ذلك اليوم المشؤوم، 2 تشرين الأول (أكتوبر).
و”كان لدى جمال وأنا الكثير من الأحلام ولكن الأهم هو بناء حياة معاً. وكان أحياناً يتحدث عن أصدقائه في الولايات المتحدة وكيف أنه سيقدمني إليهم بعد الزواج. وفي كل يوم كان يريد أن يصحو في الصباح ليعرف أنه ليس وحيداً. وبهذا الحس كان جمال يحاول أن لا يزعج الآخرين بمشاكله. وكان قوياً مثل الجبل”.
وتؤكد أنه كان سعيداً عندما ذهبا إلى القنصلية السعودية للحصول على وثيقة الطلاق، وأنها قررت عدم حضور المحاضرات في الجامعة لمرافقته و”لم يكن لديه أي خوف مما سيحدث. وطلب منه القنصل المسؤول والذي أعلمه أن الأوراق وصلت الحضور في الساعة الواحدة ظهرا”.
اختفاء وضياع
وفي الطريق إلى القنصلية تحدثا عن الخطط لبقية اليوم حيث كانا سيذهبان لمعاينة الأدوات المنزلية ومقابلة العائلة والأصدقاء لتناول العشاء. وعند الوصول إلى القنصلية في الموعد “أخبرني بإبلاغ الشرطة لو لم أسمع منه. ولو كنت أعرف أن هذه هي آخر مرة سأراه لدخلت القنصلية معه. وما حدث بعد هو تاريخ: فلم يخرج من البناية ومعه أنا ضعت”.
وتقول إنها تفكر بجمال وإن كان في عالم آخر وتسأل نفسها مرارا: “أين جمال؟ هل هو حي؟ ولو كان حيا كيف هو؟”.
وتشير: “اليوم هو عيد ميلاد جمال وخططت لدعوة أصدقائه المقربين ليكونوا حوله وتعويضه بالحب والدفء الذي افتقده، وكنا قد تزوجنا”.
ومضى على اختفائه 12 يوماً، ولم تؤكد السلطات كل التكهنات حول غيابه لكن الصمت السعودي يملؤها بـ”الفزع” وتسأل نفسها إن كان صحيحاً مقتل جمال حيث يلاحقها السؤال.
و”لو كانت المزاعم حول مقتله على يد أولاد مأمورين لابن سلمان صحيحة فهو شهيد. وخسارته لن تكون شخصية لها بل لكل من له ضمير وبوصلة أخلاقية و”لو فقدنا جمال، فالشجب لن يكفي، ويجب محاسبة الذين أخذوه منا بعيداً عن مناصبهم السياسية ومعاقبتهم بناء على القانون”.
وعن دعوة الرئيس دونالد ترامب لها لزيارة البيت الأبيض قالت إنه لو “قدم مساهمة حقيقية للجهود الهادفة للكشف عما حدث داخل القنصلية السعودية فقد أفكر بقبول الدعوة”.
وتختم بالقول إن جمال تحدث ضد القمع ولكنه دفع حياته ثمناً لمطالب الشعب السعودية بالحرية و”ولو كان ميتاً، وآمل أن لا يكون هذا فألف جمال سيولدون اليوم في عيد ميلاده وسيتردد صوته من تركيا إلى السعودية وحول العالم ولن يظل القمع للأبد وسيدفع الطغاة في النهاية ثمن آثامهم”. وعندما يختفي من تحبهم عن هذا العالم فالعالم الآخر لن يكون مخيماً أو بعيداً. وفكرة أن نظل بدونهم مؤلمة.
المصدر : القدس العربي