«حِلِّي عنِّي»
دلع المفتي
بعد لقاء معها على فنجان قهوة، وجدت نفسي غاضبة، محبطة أقول لنفسي: «حِلّي عني، لا الجو عاجبك، ولا الناس عاجبينك، ولا البلد عاجبك ولا السياسة عاجبتك، ولا القهوة عاجبتك، ولا حتى شعري عاجبك». لا تستطيع أن ترى أي شيء إيجابي في أي أمر، تبحث عن أي سلبية لتمحو كل الإيجابيات، دائمة الشكوى والانتقاد. لو سألتها كيف حالها؟ فستسترد عليك بكل همومها العائلية وأزمتها المالية ومشاكلها الصحية، وربما تحكي لك عن خناقاتها مع حماتها ومع الجيران.
كثرة الانتقاد والشكوى آفة نراها ونشعر بها في بيوتنا بين الأزواج، في مكاتبنا وشركاتنا بين الموظفين، في مجتمعاتنا بين الأصدقاء، والأسوأ الآن على وسائل التواصل الاجتماعي. افتح أي منصّة فلن تجد فيها إلا الاخبار السلبية والشكوى والانتقاد. حاول أن تفتح موضعاً في أي جلسة عائلية تبدأ بها بالحديث عن امر ما لتنتهي بحفلة «ندب» كئيبة.
ما الذي يجعل الإنسان شكَّاءً بكَّاءً «لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب»؟! يقول الخبراء ان الشكوى تبدأ كأداة فضفضة وتنفيس عن المشاعر نتيجة لحالة حزن او مشكلة أو حادث عرضي في محاولة لإيجاد دعم نفسي. لكنَّ الأمر إن زاد عن حده يصبح عادة وتتحوّل إلى إدمان فيقوم الشخص باجترار شكواه وإعادتها في كل الأوقات وعلى كل من يقابله، فلا ينجو أحد من شره وبالتالي ينقل مشاعره السلبية إلى كل من حوله.
الشكّاؤون البكّاؤون، مصاصو الطاقة هم غالباً أشخاص غير قادرين على العيش بهناء، لا يستطعمون السعادة إلا ووجدوا شيئاً ينغّص عليهم متعتهم، يحاولون ما استطاعوا أن «ينكشوا» أي سلبية تؤكد شكواهم. قد يكون هروباً من عالمهم أو قد تكون محاولة درامية للعب دور الضحية، فيستقطبون الاهتمام والشفقة والعطف، لكن كل هذا يحصل على حساب الآخر المتلقي الذي سيستقبل كل تلك السلبية ولن ينجو منها كلياً وسيعلق به بعض منها.
إذاً، ما الحل مع الشكائين البكائين؟ بداية، حاول أن تكون داعماً نفسياً للشاكي بأقل ضرر ممكن لك، لا تدعه يسحبك لدائرته الكئيبة، ثم ساعده في إيجاد حل لمشكلته، إن وُجد. حاول أن تغيّر الموضوع لمواضيع أكثر إيجابية، وخذه بعيداً عن موضوع شكواه، وإن أصرّ، فحاول أن تفهمه أن كثرة الشكوى تجعله إنساناً سلبياً وتنفّر الناس منه، وفي الوقت نفسه تجعلك تشعر بالبلادة والإحباط نتيجة سماعك الدائم لشكواه. وإن لم ينجح كل ما سبق ولم تعد تتحمله، فقل له «حِلّ عني.. اللي فيني مكفيني».
قصة: منذ أيام قمت بزيارة صديقة كانت قد وقعت وكسرت «قدمها، كاحلها، ساقها وركبتها»، قضت شهوراً من الآلام والعذاب في السرير أولاً ثم على الكرسي المتحرّك ثم على المشاية ثم على العكاز. سألتها كيف حالك مع الكسور والألم والعجز؟ قالت والابتسامة لا تفارق وجهها: أنا بألف خير، والحمد لله، أنا إنسانة محظوظة وسعيدة. فجأة وجدت نفسي أنظر إلى يدي المكسورة (بخجل) وأنا أردّد خلفها: ألف حمد وشكر.
دلع المفتي
[email protected]
@dalaaalmoufti