عن تسونامي الثقافة المثلية في الإعلام!

 

ندى حطيط

 

أثار مارك سالتزمان، أحد الكتّاب الرئيسيين السابقين لبرنامج الأطفال المعروف عالميا “إفتح يا سمسم” عاصفة لا تهدأ بعدما صرّح مؤخرا بأن الثنائي الأكثر شهرة في عالم الدّمى المتحركة “بيرت” و”إرني” (أنيس وبدر في النسخة العربيّة) هما بالفعل مثليان ويتبادلان مشاعر الحب، وأن علاقته الشخصيّة بشريكه المثليّ كانت ملهمة له في كتابة حلقات لا حصر لها من المسلسل الذي ما يزال حيّاً بعد عدّة عقود.
وعلى الرّغم من مسارعة الشركة المنتجة للبرنامج إلى نفي تلك الأنباء عن الصديقين الشهيرين ولاحقاً محاولة سالتزمان نفسه التنصل من تصريحاته المنشورة في موقع إعلامي معروف (متعاطف مع المثليّة) من خلال اعتبارها منتزعة من السيّاق، إلا أن الجدل لم يتوقف حول ما يعتبره مؤرخو الثقافة الشعبيّة المعاصرة موجة متصاعدة وغير مسبوقة في التاريخ الحديث لتقديم نماذج وشخصيّات مثليّة – على تنوعها – في أدوات الثقافة الجماهيريّة من السّينما إلى مسلسلات وبرامج التّلفزيون، ومن مجلاّت الكوميكس إلى ألعاب الفيديو وحتى في برامج الأطفال وتلفزيون الواقع على نحو يفوق وجودهم في مجمل التجربة البشريّة، وبات موضع قلق للتيار العام الأعرض من المشاهدين الذين بدأت أصوات بعضهم ترتفع للمطالبة بحماية الجيل الجديد من تأثيرات سلبيّة جارفة لا مبرر فعلي لها مزروعة في قلب المنتجات الثقافيّة المخصصة للاستهلاك العام.

“مليون أم” في مواجهة
خاسرة مع المروّجين للمثليّة

قناة “فوكس” الأمريكيّة أجرت دراسة على نماذج من الإنتاجات المرئيّة المتوفرة للعامة على القنوات الرئيسة وخلصت إلى أن نسبة تمثيل المثليين في الشخصيات الدراميّة تتجاوز الـ 42 % مقابل نسبة 10% المتوافق عليها بين جميع الأطراف بأنها قد تكون نسبة تمثيلهم من مجموع السكان في المجتمعات الغربيّة وقتنا الرّاهن.
وتعكس دراسة فوكس – المحافظة سياسيّاً – ضيقاً متزايداً داخل أوساط العائلات من فرض هذا الطرح بوصفه يدفع الأطفال والمراهقين إلى التعرض لثيمات جنسيّة الطابع في وقت هم ليسوا فيه قادرين على التفكير المستقل ويمرون بمراحل تمتاز بتقلب مزاجاتها، وهو الأمر الذي دفع بعض تلك العائلات للانتظام في مجموعات ضغط مثل “مجموعة المليون أم” والتي تُهدد بمقاطعة الشركات المنتجة لا سيّما شركة ديزني التي تقود عمليّة (مثلنة) النتاجات المرئيّة الموجهة للأطفال في السوق الأمريكيّة. خذ مثلاً قصّة “الجميلة والوحش” التي أُعيد تقديمها في فيلم مؤخراً متضمنة شخصيّة محوريّة تجاهر بمثليتها أو مسلسل “أندي ماك” الذي بطله يافع مثلي التوجه رغم أنه لا يتجاوز الثالثة عشرة .
وبالطبع فإن شركة ديزني ليست الوحيدة في هذا الوارد، إذ أن غالبية قنوات التلفزيون الموجهة للأطفال مثل نيكلوديون ونيتفليكس (كيدز) وكارتون نيتوورك كلّها تعرض وبشكل متواصل مسلسلات وأعمال أبطالها مثليون ومثليّات في مقتبل العمر.
وعلى رغم الانفتاح الجنسي النسبي في الولايات المتحدة فإن خبراء كثيرين هناك حذّروا من أن أطفال أمريكا ومراهقيها يتعرضون لغزو ثقافي مثلي ياباني مكثّف من خلال أفلام ومسلسلات وألعاب فيديو وكوميكس المانغا اليابانية والموجهة للصغار والمراهقين وتتضمن جرعة زائدة من الشخصيات المثليّة والملتبسة الجنس، الأمر الذي أثبتت دراسات أكاديميّة عديدة خطورته في تكوين مناخ يدفع المزيد من اليافعين على التحول إلى مثليين مع أنهم لم يكونوا أصلا في هذا الخيار الذين يقعوا فيه ضحايا تشكيل وعيّ موهوم.
على الجانب الآخر فإن جمعيات المثليين تعتبر تلك الموجة اتجاهاً صحيّاً للتعبير عن نماذج إنسانيّة موجودة ولطالما تعرّضت للتهميش والإقصاء والتغييب المتعمد، وإن كانوا يرون أن خطوات أخرى لا تزال مطلوبة لتقديم نماذج أعمق من مجرد توجهها الجنسي كما هو الحال اليوم في كثير الأعمال التي تجعل من الهويّة المثليّة تحديداً أساساً للشخصيّة الدراميّة.

في بريطانيا، الأهل وحيدون في مواجهة تعقيدات المثليّة

بين الأهل القلقين لحظياً من تأثيرات سلبيّة تصيب أبناءهم باضطرابات جندريّة و التباسات جنسيّة وأولئك المدافعين عن حقوق تمثيل الاختلاف في الأعمال المرئيّة، هناك نوع من تقصير إعلامي شامل يكاد يكون متعمداً لطرح مسألة المثليّة الجنسيّة – الخطيرة والحساسة والتي تهدد استقرار ملايين العائلات وتتسبب بمشاكل صحيّة ونفسيّة عميقة للأجيال الصاعدة – بأسلوب علمي وسايكولوجي متوازن يسمح لغير المتخصصين باتخاذ مواقف لها أساس من المعرفة.
بريطانيا مثلاً – الدولة الكبرى وإحدى أغنى دول العالم ومجموع سكان ينوف عن الـ 80 مليوناً – لا تمتلك في نظامها الصحي الضخم كلّه سوى عيادة واحدة فقط لتقديم النصح (والعلاج) للأطفال والمراهقين الذين يعانون من اضطرابات الهوية الجنسية، رغم أن التلفزيونات الرئيسة في البلاد تعرض جميعها وبشكل دائم مسلسلات وأعمالاً أبطالها مثليون ومثليات.
العيادة اليتيمة ذاتها خرجت عن صمتها الأسبوع الماضي لتكذّب ادعاءات مسلسل بدأت القناة الرابعة في التلفزيون البريطاني بعرضه عنوانه “الفراشة”، ويحكي قصة صبيّ في الحادية عشرة من عمره يصاب باضطراب هويته الجنسية نتيجة ظروف نفسيّة ضاغطة وينتهي إلى محاولة للانتحار.
العيادة اعتبرت أن ذلك تخويفاً غير مقبول للعائلات قد يدفع بعضها للتسرع في قبول التباسات الهوية الجنسيّة عند أبنائهم وبناتهم وتَحولهم إلى مثليين أو مثليات والتي قد تكون في أغلبها نتاج مآزق نفسية وثقافيّة قبل الذهاب إلى احتمالية أن تكون هذه الميول الشاذة عن الطبيعة ناتجة عن اضطرابات هرمونيّة أو جينية نادرة، إذ أنه – ودائماً وفق العيادة – ليس من المألوف لأطفال في هذه السنّ الإقدام على الانتحار. وقد لاحظت الصحف على خلفيّة هذا الجدل أن أغلبيّة القائمين على إنتاج مثل هذه الأعمال وتقديمها هم بالفعل مثليون وليسوا موضوعيين في تقديم معالجة متوازنة – كصانعة مسلسل “الفراشة” – التي سافرت بابنها ذي ال 16 عاماً إلى تايلند لإجراء عمليّة تحول جنسي له.
كل ذلك قد يدفع شاسع الخيال إلى اعتناق نظريّة وجود ما يشبه المؤامرة لنشر الثقافة المثليّة في المجتمعات والتطبيع معها لمصلحة فئات معينة. وللحقيقة فإن لا حاجة للمضي بعيداً في التهيؤات إذ أن دراسي أنساق الهيمنة في المجتمعات وعلى رأسهم المفكر الإيطالي المعروف أنطونيو غرامشي يعتبرون أن النخب المسيطرة تفرض أفكارها وثقافتها على بقيّة الطبقات من خلال تحكمها بأدوات الإنتاج الثقافي على تنوع أشكالها، وأنها معنيّة وبشكل مباشر برسم خطوط انقسامات مجتمعيّة حول العرق أو الدين أو الأدوار الجندريّة أو التباسات الهوية الجنسية كي يستهلك هؤلاء جلّ طاقاتهم في صراعات جانبية بعيداً عن مواجهة المهيمنين عليهم، ومما يدفع للشك في وجود مؤامرة حقيقة أن جمعيّات علم النفس الأمريكيّة الواسعة النفوذ التي كانت قد أسقطت المثليّة من قائمة الاضطرابات العقليّة مليئة بالمثليين واتهمها أكاديمي معروف (روبرت كيني الثالث) بأن قرارها كان سياسياً معتبراً الادعاءات بوجود دلائل علميّة كافية لتبرير ذلك محض دجل علمي.

عربياً، حيث السياسة أفسدت كل شيء

إذا كان هذا حال الإعلام المرئي الغربي ومنتجاته بشأن المثليّة في هذا المأزق، فإن طرح المسألة إعلاميا على صعيد العالم العربيّ الذي ما زالت قطاعات واسعة منه مغرقة في الأميّة والتخلّف الاجتماعي والاقتصادي تعتبر قضيّة شائكة، وتحتاج إلى مقاربة متوازنة لا تكتفي بنقل الواقع وترويجه كوجبة دائمة على منابرها بقدر ما تقدّم معرفة تنوّر العائلات التي تواجه تسونامي تحديّات ثقافيّة دون أن تجد مرجعيّة يوثق بها للنفاذ من الدائرة الضبابية الرؤية، وهذا يفسّر تلك الإدانة الشديدة التي تعرّض لها برنامج “أنا هيك”، الذي يعرض على شاشة تلفزيون الجديد وقدّم الأسبوع الماضي مقابلة مع شاب لبناني انتهى مثلياً وعقد قرانه على مثلي آخر إبّان إقامته في أوروبا، إذ أن كثيرين اعتبروه ترويجاً للرذيلة وصوتاً عموميّاً يمنح للشاذين يمكنّهم من الدّفاع عن مسلكهم، وربما تشجيع آخرين عليه، بينما رآه المثليون أقل ما يمكن أن يقدّم للاعتراف بوجود مثل هؤلاء الاشخاص في مجتمعاتنا.
لكن الصوت المستمر في غيابه عن الإعلام هو الصوت المتوازن القادر على توصيف حقيقة الحالات دون الوقوع في متاهة القفز عن ألغام التابوهات والصناديق المغلقة منذ قرون.
لا شكّ أنه من الممكن وجود حالات مثليّة تحتاج إلى تدخل هورموني، لكنّ معظمها كما تقول الدراسات تبدو نتاج مزيج من تجارب حياتية قد تبدأ منذ اليوم الأول للطفل ومآزق نفسيّة وأزمات ثقافيّة الطابع من الكبت المجتمعي والتخلّف الاجتماعيّ تتداخل معاً وبشكل معقّد لتدفع ببعض الشخصيّات الضعيفة أو المرهفة أو المضطربة في اتجاهات معينة يصعب ربما على أصحابها الرّجوع عنها.
لقد أغرقت أوحال السياسة إعلام العالم العربي في مسائل لا طائل من تحتها، وهو بحكم تبعيته الماليّة لتوجهات الأنظمة لن يخرج منها في وقت قريب. لكن الذي يشعل الدهشة بالفعل أن ذات الإعلام يستقيل منزوياً من دوره التنويري في المسائل الاجتماعيّة المحضة كمسألة المثليّة التي قد تجتاح كل بيت عربي مهما كان لونه السياسيّ، مكتفياً بالإثارة والترويج والترفيه والتسطيح والعري، ولذا لا هو موثوق سياسياً ولا هو يلعب دورا حاسماً في تشكيل الوعي وتوضيح التصورات والرؤى بشأن ما هو صواب وما هو خطأ. هي استقالة تدفع ثمنها غالياً عائلات عربيّة كثيرة.

كاتبة لبنانية بريطانية

قد يعجبك ايضا