حليف واشنطن في الرياض يهتز!
أحد ما في إسرائيل يتابع بحكم عمله ما يجري في السعودية، حاول أن يشرح لنا هذا الأسبوع من هو محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، وما هو سحره، وأين سقط وأين أسقط آخرين، فقال: «تصوروا أن يقع رئيس وزراء إسرائيل في كبوة فيعين ابنه يئير رئيس وزراء بالفعل». تصورنا.
محمد بن سلمان ابن عبد العزيز آل سعود ـ MBS على لسان محلليه في الغرب ـ ولد في آب 1985 في مدينة جدة. وهو الابن البكر للزوجة الثالثة للملك سلمان، الملك الحالي الثالثة. يعدّ في السنة والربع الأخيرة عمليًا الحاكم الفرد في المملكة. الملك ابن 83 وهو رجل مريض، ولهذا يمكن لاردوغان وترامب أن يعفياه بأمان من مسؤولية إعدام الصحافي السعودي جمال خاشقجي. هو لم يعرف. ومحمد بن نايف، ابن عم بن سلمان، كان يحمل لقب ولي العهد وجملة أخرى من المناصب، وهو ابن 59. في حزيران/يونيو 2017 أطاح به بن سلمان وجلس على كرسيه. و اليوم هو في اعتقال منزلي مثل كثيرين من أقرباء ولي العهد. أمريكي التقاه بضع مرات في الماضي، مقتنع بأن أيامه في الحكم انقضت دون عودة: فإصابته جراء محاولة اغتيال في 2009 عادت لتقلقه، ثم إن صحته هزيلة.
ليس في هذه اللحظة أحد ما في آل السعود يهدد مكانة بن سلمان. هذا لا يعني أنه لن يقوم رجل ما غدًا أو بعد غد: فلا يوجد اليوم حاكم واحد في العالم العربي مضمون الكرسي، لا من أبناء عائلته ولا من الجماهير.
كي نفهم كيف تحول بن سلمان إلى الأمل السعودي الكبير للحكومات في الغرب، بما فيها حكومة إسرائيل، وكيف تلقى هذا الأمل ضربة شديدة، وربما قاضية، في بضع ساعات من سكرة الإحساس في القنصلية السعودية في إسطنبول ـ ينبغي أن نعود 40 سنة إلى الوراء، أي إلى نهاية السبعينيات من القرن الماضي.
في تشرين الثاني/نوفمبر 1979، سيطرت قوة من بضع مئات المتدينين المسلحين المتحمسين على الكعبة في مكة، وطالبوا بالإطاحة بالعائلة المالكة، وبتصفية القواعد العسكرية الأمريكية، ووقف بيع النفط لأمريكا والانقطاع عن الثقافة الغربية. واضطرت الأسرة المالكة إلى أكثر من أسبوعين للاستعانة بكوماندو باكستانيين وضباط فرنسيين لإعادة احتلال المسجد.
الدرس الذي استخلصته الأسرة المالكة كان بعيد الأثر: من أجل الحفاظ على حكمها، فإنها ملزمة بأن تقبل على نفسها كل إملاءات المتطرفين المتدينين. فقد أخضعت الحياة للشريعة الإسلامية في تفسيرها الأكثر تشددًا، وبالأساس، مول المال السعودي الدعاة الأصوليين في المساجد، في السعودية وفي خارجها، ومول أيضًا السعوديون منظمات الإرهاب الجهادية وزودوهم بالانتحاريين. فعمليات 11 أيلول/سبتمبر 2001 كانت أولاً وقبل كل شيء عملية للسعوديين، ممولة بمال سعودي، طوعًا أو غصبًا. لو كانت السياسة السعودية مختلفة، لما كانت القاعدة وما كان بن لادن. القاعدة، وبعد ذلك داعش، هما الابنان غير الشرعيين اللذين ولدا للأم السعودية. ورغم المساعدة التي قدمتها الأسرة المالكة للجهود الدولية ضد منظمات الإرهاب إلا أنها امتنعت عن المس بالبنية التحتية الدينية التي أنبتته من الداخل.
دعي زائر أمريكي قبل بضع سنوات إلى وليمة في الرياض شارك فيها أميران. بن نايف الراشد وبن سلمان الشاب. في تلك الفترة فرض على شاعر فلسطيني كان يسكن في السعودية عقوبة 50 جلدة على مخالفة تافهة. فتساءل الأمريكي، لماذا تتصرفون هكذا. فكان جواب بن نايف، الذي تعلم في الولايات المتحدة مفاجئًا له، إذ قال: «3 في المئة من سكاننا مجانين. إذا رفعنا عنهم الضغط فإنه وفي غضون يوم سيرتفع العدد إلى 10 في المئة».
بعد عمليات البرجين فهم الأمراء أن الأرض تشتعل تحتهم. فاستأجروا أفضل وأغلى مكاتب العلاقات العامة في واشنطن. هكذا ولدت خطة السلام السعودية. ليس التطلع إلى السلام هو ما ولدها، بل الخوف من الهجران الأمريكي. في بداية 2002، بعد وقت قصير من العمليات، دعي توماس فريدمان، الصحافي عظيم النفوذ من «نيويورك تايمز» إلى الرياض للتشرف بأول نشر للخطة. حقيقة أنه يهودي ومؤيد لإسرائيل لم تضر.
قضية خاشقجي قوضت حلم أمريكا في أن ينقل بن سلمان السعودية إلى الحداثة
لقد درج الحكام الشرق أوسطيون على احترام الأجانب بالهدايا الغالية. هذا أيضًا كان وسيلة لتخفيف حدة العداء. فقد روت مورين داوود، كاتبة الرأي في «نيويورك تايمز» هذا الأسبوع عن لقاء عقدته قبل سنين مع شخصية سعودية رفيعة المستوى. في بداية اللقاء وُضع على الطاولة صندوق كبير مليء بالمجوهرات. فأوضحت داوود: «أنا صحافية. لا يمكنني أن آخذ هدايا».
«فهمت»، قال محادثها. وعندها شعرت بأن شيئًا ما يحتك بركبتها من تحت الطاولة. لا، هذه لم تكن يد محادثها: كان هذا طرف الصندوق. فقد افترض السعودي بأن ما رفضت قبوله على الطاولة ستقبله من تحتها. هكذا اشتروا سناتورات وأعضاء كونغرس، وموظفين كبارًا وصحافيين.
الإدارة الأمريكية تركتهم. هذه كانت الصفقة، كتب فريدمان في أحد مقالاته: أنتم لا ترفعون سعر النفط، ونحن نتجاهل الخرق الفظ لحقوق الإنسان عندكم ومساهمتكم الهائلة لشبكة منظمات الإرهاب.
لقد كان أوباما هو الرئيس الأمريكي الأول الذي تنكر للأسرة المالكة. فقد مقت السعوديين لدرجة أنه فضل الإيرانيين عليهم. أما انتصار ترامب في الانتخابات فقلب الجرة رأسًا على عقب: الإيرانيون عادوا ليكونوا العدو الأكبر، والسعوديون الحلفاء. رئاسة ترامب كانت لخمسة أشهر عندما أصبح بن سلمان الحاكم الحصري للسعودية. وكان صهر ترامب جارد كوشنير عين لتوه المبعوث الأعلى للرئيس إلى الشرق الأوسط. أربع سنوات فقط تفصل بين الاثنين: أمير التقى أميرًا. طموح بطموح، صعود نيزكي في سلم القوة بصعود نيزكي. وكان اللقاء مصيريًا.
رصاصتان في مغلف
قبل ثلاث سنوات اتصل صديق سعودي بتوماس فريدمان. «هل أنت مستعد للسفر إلى السعودية ومقابلة محمد بن سلمان»، سأل. كان الأمير في حينه الثاني في الطابور إلى التاج: محمد بن نايف قبله. بسرور، قال فريدمان. ولكن كن لطيفًا، حذره الصديق. أنا لطيف دومًا، قال فريدمان.
خصص محمد بن سلمان حديثه للوضع الاقتصادي. الدولة لا يمكنها أن تعتمد إلى الأبد على احتياطات النفط. وهي ملزمة بأن تنوع مصادر دخلها، وتوفر العمل للشباب. 70 في المئة من السكان هم صغار؛ أبناء 24 فأقل. والحل هو فتح الدولة أمام الاستثمارات الأجنبية. هذا يتطلب إصلاحات بعيدة الأثر في الاقتصاد، وفي المجتمع، وفي الحياة اليومية. محمد بن سلمان كان أميرًا سعوديًا من نوع آخر، مصمم، نشيط، منفتح على التغيير، كل ما لم يكن في سلسلة الملوك العجائز، المنغلقين، الفزعين، التي تحكمت بالدولة في عشرات السنوات الأخيرة. تطلعاته تطابقت وأحلام ملايين الشبان. فريدمان تأثر.
قبل بضع سنوات من ذلك، عندما كان سلمان، أبو محمد، حاكم الرياض، عين الأمير مساعدًا شخصيًا له. وعرف الأمير في حينه أساسًا بتطلعاته العقارية. فقد سيطر على مزيد فمزيد من الأراضي والممتلكات. وعندما كان يصطدم بالمعارضة، كان يبعث للرافض بغلاف فيه رصاصتا بندقية. وقد منحته هذه القصة لقب «أبو رصاصة»، ولكن لم يتجرأ أحد على تسميته هكذا في وجهه.
التطلع إلى الإصلاحات، واليد الرشيقة على الزناد، والنوازع الظلامية، كل هذا الخليط الذي يميز مئات الحكام في التاريخ ينتهي بشكل عام بالمصيبة. لقد ورث محمد بن سلمان عن أسلافه الصراع مع إيران على الهيمنة الإقليمية. السنة مقابل الشيعة، القوة مقابل القوة. وكانت المواجهة الساخنة في اليمن. قوات الحوثيين بتكليف من إيران احتلوا في عام 2015 العاصمة صنعاء وطردوا الحكومة. ومحاولة التحالف العربي بقيادة السعودية صد القوات المؤيدة لإيران لم تنجح. وأطلقت الصواريخ نحو أهداف داخل السعودية. وقصف سلاح الجو السعودي أهدافًا مدنية بلا تمييز. محمد بن سلمان، الذي أخذ لنفسه أيضًا منصب وزير الدفاع، أدار المعركة. وكشف القتل الجماعي، الزائد، السعودية أمام الانتقاد في العالم. وكان الأداء فاشلاً، والنتائج هزيمة. الحرب في الأيمن لا تزال تتواصل بلا حسم.
رقصة السيوف
المهامة الثانية التي تولاها محمد بن سلمان هي تهيئة الأرضية لـ «صفقة القرن» التي ستنهي النزاع الإسرائيلي ـ العربي. فالدول السنية بقيادة السعودية ستفرض على الفلسطينيين الموافقة على شروط التسوية كما صيغت في خطة السلام الأمريكية، وسيحرص ترامب وكوشنير على ربط نتنياهو بالخطة. أما إقامة السفارات الإسرائيلية في الرياض وفي دول الخليج فستكون كالكرزة في القشدة.
أما المهامة الثالثة فهي المال: السعودية توقع على اتفاق مشتريات جديد مع الولايات المتحدة بمبلغ يثير العالم كله.
ليس للولايات المتحدة سفير في الرياض: مرت سنتان منذ الانتخابات وإدارة ترامب لم تعين سفيرًا بعد. وكان كوشنير هو السفير بالفعل: علاقات الصداقة بينه وبين بن سلمان تعاظمت، وأصبحت حلف أخوة. ناشد كوشنير ترامب القيام بزيارة رسمية إلى السعودية بعد ثلاثة أشهر فقط من بداية ولايته. وتتوجت الزيارة بنجاح: ترامب يرقص مع عصبة رجال سعوديين رقصة السيوف. والسعوديون يتعهدون بشراء سلاح أمريكي بمبلغ 110 مليار دولار؛ المبلغ مبالغ فيه جدًا، ولكن ماذا يهم ـ الناخبون سعداء وترامب سعيد.
بعد شهر من ذلك يجلس محمد بن سلمان على كرسي ولي العهد. بعد شهرين يسمح للنساء بقيادة السيارات. ويستقبل القرار في السعودية بحماسة: الشباب يرون فيه بشرى لحلول الربيع. فتفتح دورات لتعليم السياقة للنساء، وتعود السينما إلى المملكة.
في تشرين الثاني/نوفمبر يأمر محمد بن سلمان باعتقال عشرات الأمراء ورجال الاعمال الكبار في فندق ريتس كارلتون في الرياض، ولا يفرج عنهم إلا بعد جباية مئات ملايين الدولارات منهم. وبالتوازي يعتقل دعاة إسلاميين.
في آذار/مارس من هذا العام، يسافر محمد بن سلمان لزيارة تستغرق شهرًا إلى الولايات المتحدة فيزور البيت الأبيض وهوليوود وسهل السلكون في نيويورك.
الإغراء المالي مكشوف. ولكن يوجد هنا أكثر من هذا بكثير. بعد 17 سنة من عملية البرجين، أمريكا مستعدة لإغلاق الدائرة.
الجانب المظلم
عشية زيارة الأمير في أمريكا يتلقى فريدمان معلومات من مصدر موثوق في السعودية: شيء ما سيئ يحصل لمحمد بن سلمان. في كل ما يتعلق بالشؤون الداخلية، فإنه يتصرف بانفلات عقال. فريدمان يقرر كتابة رسالة خيالية، وكأنها صادرة عن السفير في الرياض الذي لم يعينه ترامب. وهو يحذر في الرسالة بأنه يجب أن يوضع إلى جانب محمد بن سلمان راشد مسؤول، وإلا فإن قصة الغرام مع السعودية ستتفجر في وجه أمريكا.
محمد بن سلمان لا يتأثر، وهو يواصل إجراءات القمع. في العالم فوجئوا عندما أمر باعتقال امرأة قادت سيارتها. فريدمان قلق: فهو يعلق الآمال على خطوات يتخذها الأمير ضد دعاة الدين، ولكنه قلق من آثار خطوات القمع تجاه المنشقين، فيتصل بمحمد بن سلمان، «اعتقال السائقة سيقتل لك الاستثمارات»، يقول له. تحدث مع أخي، يرد الأمير، فهو السفير السعودي في واشنطن. وهو سيقنعك.
يتحدث فريدمان إلى الأخ، ثم يروي هذا الأخ بأن معارضًا للنظام تموله قطر يجلس في لندن وهو يشغل من بعيد امرأة تقود السيارة بنية مبيتة كي تمس بالنظام. فريدمان لا يقتنع. فيكتب مقالاً يصف فيه محمد بن سلمان كدكتور جيكل ومستر هايد؛ فيه جانب مضاء وآخر مظلم. وعندها يعلن محمد بن سلمان تجميد العلاقات التجارية مع كندا كرد على احتجاج كندي ضد المس بحقوق الإنسان في السعودية. «أجننتم؟» يسأل فريدمان في بريد إلكتروني يبعث به إلى الأمير. وردا على ذلك تلقى نظرية مؤامرة أكثر جنونًا.
سعود القطاني، رجل سر محمد بن سلمان، يعتبر أبو نظرية المؤامرة. قطر وشبكة البث لديها، «الجزيرة»، هما العدو الأكبر الآن، أم كل المؤامرات. وتعاظم جنون الاضطهاد في البلاط الملكي من قصة إلى قصة: كل واحد كان مشبوهًا. جمال خاشقجي التقى فريدمان في شارع في واشنطن قبل وقت قصير من سفره إلى إسطنبول للقاء خطيبته التركية. فناشده قائلاً: اكتب عما يحصل في السعودية. فهم ينصتون لك. في تلك المرحلة كان قرار تصفية خاشقجي على ما يبدو حقيقة ناجزة. «كان هنا خليط من عدة أمور»، قال لنا أمريكي يعرف البلاط السعودي. «كان هنا جنون اضطهاد، وكان حسد الموساد». وعلى ذكر الموساد، فإن قدرة الأمير الآن على أن يعلن عن مصالحة مع إسرائيل، وأن يساعد خطة سلام أمريكية ويسهم كثيرًا في الصراع ضد إيران قد تلقت ضربة ما. السؤال إذا كان هذا جيدًا لإسرائيل أم سيئًا لها، فهو منوط بمسألة ما يراه نتنياهو في خطة ترامب، هل يراه عائقًا أم فرصة؟ إسرائيل هي الأمر الأخير الذي يشغل بال الأمير هذه الأيام.
ناحوم برنياع
يديعوت 26/10/2018