أن تتقاضى من دون قاضٍ؟!
علي أحمد البغلي
كشف مركز فض المنازعات الإيجارية الأسبوع الماضي في دبي، خلال مشاركته منصة حكومة دبي الذكية ـ أنه سيتم في عام 2019 اطلاق «نظام التقاضي الذاتي»، وهو «تقاض من دون قاض».. وذلك باستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث يبدو التقاضي من دون الحاجة الى وجود قاض مع جهوزية الأنظمة للعمل بعد اجراء بعض التعديلات البسيطة على القوانين.. وسيتم التقاضي الذاتي بدخول أحد الأطراف للنظام التقني، وتحديد نوع دعواه وطلباته في الدعوى، سواء كان مستأجراً أو مؤجراً، وذلك بعد ارفاق المستندات، وبعد ذلك يصدر الحكم مباشرة ويرسل عبر البريد الالكتروني أو رسائل نصية لأطراف الدعوى.. أحد المسؤولين الاماراتيين عن فض المنازعات صرح بأنه بعد أن كانت المدة اللازمة للتقاضي بمثل هذه الدعاوى تصل الى 45 يوماً، أصبح الآن اكمال الإجراءات كافة والحصول على الأحكام يستغرق 8 أيام فقط».. انتهى
* * *
وقد سعدت جدا بصفتي محاميا بذلك الخبر، وحسدت أهل دبي والمقيمين بها على ذلك التسهيل بإجراءات التقاضي، وتمنيت من الله أن يلهم مسؤولينا التنفيذيين والقضائيين نفس روح الحداثة والابتكار..
ذلك أن إجراءات التقاضي لدينا من إعلانات للخصوم وإعادة اعلانات وحضور جلسات وتأجيل الجلسات للاطلاع على المستندات، والرد على الدعوى والدفاع من الطرفين، وصدور الحكم بدرجات التقاضي المتعددة، ثم مواجهة اجراءات التنفيذ الأكثر من معقدة وطويلة، والتنفيذ كل هذا يستغرق أكثر من سنة، وأنا أتكلم هنا عن دعاوى الايجارات البسيطة، التي ستحل بـ دبي في 8 أيام!.. فما بالك في الدعاوى المختلفة المعقدة الأخرى؟!
أقول ذلك مع الاسف أن اجراءات التقاضي لدينا أصبحت تعاني مثلما تعاني معاملاتنا الرسمية في دوائرنا الحكومية المختلفة من روتين وبيروقراطية وتعددية متعبة… وأقصد بالتعددية هنا تعدد المحاكم، فعندما شغلت وظيفة وكيل نيابة في أوائل السبعينات من القرن الماضي (كنا 7 وكلاء نيابة).. وصدر بنا مرسوم أميري وحلفنا اليمين القانونية أمام الوزير.. الاسبوع الماضي، وفي جلسة ضمت السادة المستشارين رئيس مجلس القضاء الأعلى والنائب العام ورؤساء المحاكم، قام 95 شابا بحلف اليمين القانونية كوكلاء نيابة مبتدئين! فتصوروا كنا 7 كل سنة أصبحنا 95 كل سنة؟! وزاد عدد المحاكم وتنوعت، فقد عملنا بمبنى المحاكم في مدينة الكويت مقابل المتحف العلمي (شارع عبدالله المبارك)، كان المبنى يضم ويشمل المحاكم الجزئية والكلية والاستئناف والنيابة العامة وإدارة التنفيذ، كلها تحت سقف واحد، والآن تضمها عشرات الأسقف ـ يبعد الواحد عن الآخر عشرات الكيلومترات! لربما سيكون الجواب أن هذه سنة الحياة والتطور والزيادة السكانية والعمرانية.. أرد بالقول ومع ذلك المطلوب أن نبذل جهدنا كسلطات وكناشطين في هذا المجال للتقليل والتخفيف عن المواطن معاناته وعذاباته وطول انتظار، عندما يحتاج ويلتجئ لسلطتنا القضائية، التي نكن لها كل تقدير واحترام، وعلى رأسنا قائد مسيرتنا صاحب السمو الأمير حفظه الله، الذي أشاد ويشيد ويثق بتلك السلطة..
ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
علي أحمد البغلي
[email protected]