أوراق مهمة.. في ملف البرلمان
عبدالله بشارة
يعود مجلس الأمة إلى الانعقاد، بعد إجازة طويلة، تمتع بعض النواب فيها بجولات برلمانية للتعريف والتثقيف، مع حضور مؤتمرات، كان فيها صوت الرئيس مرزوق الغانم مسموعاً بقوة داخل القاعات وخارجها، واستوطنت مداخلاته وثائق هذه اللقاءات، مع الاعتراف بالتحضير الجيد، واستيعات المسؤولية، والحرص الشديد على قيادة لا ترتطم بالصخور في مسيرة قلما تشهد الهدوء والسكينة.
هناك خمسة ملفات، أود الاشارة لها، لأنها عمود الاستقرار ومنبع الاطمئنان:
أولاً – يعتمد ملف الكويت الخارجي على تراث قديم يبتعد عن الانزلاق في الفوضى الاقليمية ويلتزم الحذر في حواراته مع الجوار، ويسعى للصداقات المفيدة مع الآخرين، ويلتقي مع الشركاء الاستراتيجيين الذين يشكلون شبكة الأمن والأمان في جلسات دورية فيها شمولية الطرح لحل القضايا، مثل الارهاب واضطراب الاقليم، وتحديث آليات الدرع وتقارب في المواقف في القضايا الدولية.
ويدير الملف الخارجي الكويتي دبلوماسيون محترفون ملتزمون بالقواعد التي وضعها سمو الأمير منذ استقلال الكويت، وتعززت بعد الغزو بالشراكة الرادعة، وظل هذا الملف محافظاً على تراثه وحرفيته، ويدرك رئيس مجلس الأمة أن جولاته مع جولات الآخرين من مجموعات الوفود تنسجم مع مسارات الشأن الخارجي وتصب حصيلتها في المجرى الصافي للدبلوماسية الكويتية.
ولهذا يصرّح رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان، وبكل اغتباط، بأن لجنته أنجزت كل المطلوب منها، ويدرك الرئيس والأعضاء أن الشأن الخارجي له حساسية رقيقة تمس الترابط الأمني مع مواقع الردع، لذلك فساحة الاضافات والتدخلات ضيقة، وقد التزم الأعضاء بالابتعاد عن الخوض في تفاصيل تكدر صفاء المياه.
ثانياً – الملف الداخلي، المملوء بقضايا مترابطة بالأمن والاستقرار وسلامة الجبهة الداخلية والحفاظ على التوافق الشعبي والتراضي الجمعي، ولا يمكن ضمان استمرار هذا الاستقرار مع الاضطراب في الخريطة السكانية ثلثها من المواطنين والباقي من الوافدين.
فعدد كبير من هؤلاء الوافدين عبء على الدولة وعلى أعصابها الأمنية، وعلى سلامتها، فالخوف ليس من توظيفهم، وإنما من ثقل المخاطر التي تأتي من خلل في التوازن السكاني وارتباطاته بسلامة الوطن، ولم يهتم مجلس الأمة بهذا الملف الذي انتفخ من دون شك بسبب عزوف أغلب النواب عن المقاربة مع هذا الملف الشائك، مما سبب رواجا في تجارة الاقامات، وهي آلية خبيثة تلوث سمعة الكويت وتضعف مقوماته الأمنية.
لا مجاملات في أمن الكويت ولا بديل عن خطة التخفيض برعاية حكومية برلمانية جادة، تغلق المداخل لهذه التجارة الخطرة، فرغم جهود البعض مثل النائب المعتدل عادل الدلال فسيبقى الملف مؤذياً، والحل قرار وطني جماعي في حماية متواصلة من دون استرخاء تنهي العمالة السائبة التي تقدر بربع مليون.
تحتاج الكويت للانضباط الحازم وتعزيز حكم القانون..
ثالثاً – الملف المالي والميزانية، التي تنكشف وتتجه نحو المدخرات الوطنية، هذه قضية تنطلق من محتوى دستوري بحق المواطن بالتوظيف، مرتبطة بالدولة الرعوية التي تتيح للسلطة التنفيذية في الغالب توجيه مصادر الدخل وفق متطلبات السياسة وليس وفق متطلبات الضرورات، فمع الوضع الحاضر ستنكشف الميزانية المقررة، وسينقذها تجوري الدولة الذي أشار إليه الفاضل وزير المالية.
تبقى الحاجة الماسة إلى النظر بجدية لموضوعين مهمين، أولهما التخصيص وتمكين القطاع الخاص لإدارة كل ما يتعلق بالخدمات وتصويب مفهوم التوظيف بالتعليم المناسب، والاحلال الهادئ، والوعي الاجتماعي لمفهوم شروط المستقبل، وأهمها لا مكان للكسول والمتخاذل مع غرس معاني المواطنة وهي عطاء الانتماء بحس الفداء والتضحية، وليست امتيازات وتفاخر بالبهرجات.
رابعاً – ملف القضاء المحصّن الذي يستعصي على الراغبين في اختراقه، فأحكامه لا تقبل الجدل، وآلياته في تحقيق أهدافه هي القناعة الجماعية بدور القضاء في الأمن والاستقرار، وتقوية التشابك المجتمعي وتوفير سلامة الوطن من التصدعات الداخلية، وترسيخ الجبهة الداخلية المرتكزة على الثقة بكل ما يحيط بالقضاء.
وحماية القضاء هي الاذعان بأن قضاياه تظل بعيدة عن التسييس وسليمة من التراشقات السياسية ولا تخترق من تدخلات نيابية أو حكومية لا ترضى عن أحكامها.
ونعرف أن حكم القضاء لا يرضي المتأثرين به خاصة ممن ارتكبوا خطايا واعترفوا بها، هذه سنة الحياة، لكن المجتمعات ترقى بأحكامه، وتبدع بحمايته، وتجادل بعلم تام بأنها تستند على قانون وليس على مزاج الزعامات.
منذ أيام قرأت كتاب القاضي المصري ممتاز نصار عن مذبحة القضاء التي نالت 181 قاضياً تحولوا إلى كتبة في بيروقراطية قاتلة، أو قبول فريضة التقاعد كما أصابت القاضي ممتاز نصار نفسه.
لا تنتصر الدول إذا امتثل قضاؤها لاهواء القيادات، قضاء الكويت موقع ثقة وبئر الاستقرار.
خامساً – تنعم الكويت بشيء نسميه «فائض القوة» وهي حصيلة مواقع مختلفة ومسارات متعددة تثمر ايجابيات، تسلط أضواء الاعجاب والثناء على الدولة في نهجها الخارجي وسلوكها الداخلي، ويتكوّن منها رصيد عالمي جوهره المصداقية، يرافقه إعجاب بالقيادات وبالتشريعات بما في ذلك عقلانية سلوك البرلمان، ومدى تجاوبه مع سيادة القانون واحترامه لحقوق السلطة القيادية في ممارسة واجبات السيادة، وقد دوّن الدستور هذه الحقوق وسيّجها بالحماية.
لا يحق لأحد مجادلة القيادة السيادية في ممارسة مسؤولياتها وفق ضوابط الدستور ولا جدال بأن قضايا الجنسية شأن سيادي يظل محصّناً من مجاملات الأدب الجم الاجتماعي.
سلوك الحكومة مثل سلوك البرلمان عرضة للتحقيق والمراقبة من الهيئات البرلمانية والمؤسسات العالمية المتخصصة، وحافظت الكويت منذ استقلالها على نصاعة لوحة الشرف التي تتزين بها.