دروس الانفصال البشع عن جنوب لبنان وغزة

 

في ذروة موجة العنف القاسية في الضفة الغربية، حين نشيع موتانا إلى مثواهم الأخير، ضحايا الإرهاب الفلسطيني الذي يخرج من رام الله ويحرض من غزة، حظينا بإعلان يقع في صفحة كاملة موقّع من «قادة من أجل أمن إسرائيل».
أنت تمر على الأسماء: ألوية وأعمدة، ألوية شرطة، وأعمدة شرطة، رؤساء شعب، ونواب رؤساء شعب. كثيرون منهم معروفون، آخرون معروفون أقل، وكلهم ساهموا على مدى السنين والحروب في أمن إسرائيل. قادوا المقاتلين في ميادين القتال، صدوا الأعداء، عرضوا حياتهم للخطر، رأوا الموت أمام عيونهم، رفاقهم سقطوا أمامهم وهم فعلوا أكثر من أي مواطن آخر في الدولة. نحن مدينون لهم بوجودنا.
وها هم حين يكونون في مكانة الاحتياط، تكتلوا جميعهم في إعلان واحد، في صحيفة اليسار («هآرتس») وفي صحيفة اليمين («إسرائيل اليوم») كي يدعوا الكنيست والحكومة «لمبادرتي إلى الانفصال عن الفلسطينيين، لوقف إجراءات الضم التي تؤدي إلى مصيبة وطنية، وللتأكد على أن تبقى إسرائيل يهودية وديمقراطية. لطلاق الفلسطينيين». أمام قادة كهؤلاء، من أنا الصغير، بالإجمال رائد في الاحتياط، لأقف أمامهم؟
يوجد بالطبع جنرالات كثيرون آخرون، وفي رتب أدنى أيضاً، لم يوقعوا على هذا الإعلان السياسي. والموقعون عليه، ماذا يعرفون بشكل أفضل ممن هم مطلعون على الأمور ويقودون الدولة اليوم بشكل ديمقراطي؟ وماذا تغير في وضع النزاع الإسرائيلي الفلسطيني في المئة سنة الأخيرة، وعلى الأقل منذ أن كانوا في الخدمة الفاعلة وحتى اليوم؟
تجربتهم ورتبهم تضعهم ـ برأيهم على الأقل ـ عالياً في الفهم العسكري ـ السياسي فوق المواطن العادي. يبرز هنا موقف سياسي يمكن تحديد حدوده بين اليسار واليسار المتطرف. يدور الحديث عن إعلان سياسي تحت غطاء مثير للانطباع من «قادة» مطلعين زعماً. كيف يختلف هذا الإعلان «الأمني»، لنقل، عن إعلان كان وقع عليه بضع عشرات سائقي السيارات العمومية؟
«طلاق الفلسطينيين»؟ ألم نجرب الفرارين من جنوب لبنان ومن قطاع غزة دون اتفاقات؟ وما الذي حصلنا عليه؟ تهديد متعاظم في الشمال، إرهاب وتحريض في الجنوب. «تطلقنا» من القطاع، فهل القطاع «تطلق» منا؟ أولم يتصاعد التهديد من هناك، بالذات بعد الطلاق الذي أعطيناه لهم؟
ما العمل بمواطني إسرائيل وأعضاء الكنيست الذين يعرفون أنفسهم كفلسطينيين؟ كيف «نطلق» هؤلاء الفلسطينيين؟ لعلنا نمرر خط الفصل في داخل حيفا أو بين يافا وتل أبيب؟ هل «لنبادر إلى الانفصال» هي لغة مغسولة للعودة إلى خطوط 67 الكارثية؟ الانسحاب لن يجلب لنا الراحة والهناء. فمنظمة م.ت.ف أقيمت في 1964، قبل ثلاث سنوات من الاحتلال، ولا تزال تحرض وتعمل ضدنا.
من ناحية العدو، لا فرق بين مستوطنة «شيلو» المحتلة و«جفعتايم» المحتلة. لا فرق بين احتلال 67 واحتلال 48. العودة إلى خطوط 67 هي مرحلة في خطة المراحل لتدمير إسرائيل. إذا لم يكن لنا حق في مكان الهيكل الأول، فما هو حقنا في كل مكان آخر في هذه البلاد؟ إذا لم تكن الخليل مدينة الآباء، فأي حق لنا في «رمات أفيف»؟
يتبنى الإعلان، بلغة نقية وغير مباشرة، انطلاقاً من المصلحة الإسرائيلية، الرواية الفلسطينية بالذات. وهو نقيض فكرة الحائط الحديدي الواقعية جداً في الواقع الشرق أوسطي ذي نزعة القوة. إن مطالبة «القادة» الحكومة والكنيست تخدم الفلسطينيين. حين تكون المرحلة الأولى في مطالبة م.ت.ف وحماس ستتحقق، فإنهم لن يكتفوا بذلك؛ بل سيرتفعون درجة في كفاحهم متعدد المراحل: سيطالبون أيضاً بـ: تسهالى، ويفنه، ويافا، وحيفا، والرملة.
نشر هذا الإعلان في هذه الأيام الدموية يعدّ خسارة، وبالتأكيد من جانب أفضل قادتنا، من الماضي القريب والبعيد. هذا كما أسلفنا إعلان سياسي، وليس أمنياً، وهو ليس واقعياً أيضاً. فالإعلان يقوض حقنا في الاستيطان في كل مواقع وطننا ويخدم أهدافاً مغايرة لتلك التي قصدها الموقعون، بحكم براءتهم.

يوسي احيمئير
معاريف 17/12/2018

قد يعجبك ايضا