ابرز قوشانك للرابع, والا فاصمت,
جمال الدويري
من اين تأخذون هذه الجرأة الوقحة, وقبلها, كيف ومن اين تعطون لأنفسكم المشروعية, لتصنفون البشر, وتقسمون الوطن الى فسطاطين اثنين, تتشيطنون احدهم, وتمنحون الآخر أوسمة المواطنة الحقة ونياشين البطولة, بل وتحسبونه على العرش والملك؟
ذات هذيان لأحدهم, شَحْبَرَ مساحة بالرأي (الصحيفة الرسمية), قبل ايام, بما يسمى مقالة سياسية, تحت عنوان: محتجون والسطو على (الرابع), رمى به الأحرار الرابعيين, بسيل من القذائع التي ما كنت سأحفل بها, ولم تكن ستنال مني غير الوعاء الذي تستحق, لولا ان صديقا أرسل لي هذه المقالة العصماء, مع الملاحظة المستفزة: انت من اي الأردنيين, من (هظول والا من هظول)؟ فقررت كل حواسي, الى ما بعد السادسة, ولأن الأمر يتعلق بوطن الأردنيين الذي نحب ونعشق, ان ارد على من لا يستحق.
بدأ هذا (المحترم), بوصفة جغرافية ديموغرافية عجيبة, بادعاء ملكيته للدوار الرابع, ووصف أحراره بالساطين عليه, وكأنهم قد دخلوا عنوة لملكيته الخاصة, فأتوا امرا او جرما فريا, يستدعي القصاص ودفع الدية, ان كنت ابتعت الرابع يا هذا, دون علمنا, فأبرز قوشانك وطابو ملكيته, ولنتبين الخيط الأسود من الأبيض من الكذب, وعندها, سنتركه لك, ونقيم دعوى قضائية على حكومتنا, لاستيضاح كيف تبيع ملْكا شعبيا عاما لخاصة, دون علم العامة وموافقتها, والا, فلتصمت يا هذا, ولتعتذر للشعب الأردني العزيز, وأحراره على الرابع, ولتصم ثلاثا, على كذب الإدعاء.
ويستمر هذا الكاتب, بزجر وتعنيف الرابعيين, والحط من وزن الحراك الشعبي المطالب بالإصلاح ومحاربة الفساد, الذي اعترفت كل الأطراف بوجوده واستشرائه في كل المفاصل العامة, والذي كلف الوطن مليارات من المديونية وحق الأجيال بمستقبل أكثر وضوحا واستقرارا وأمنا, مما ينتظرهم حسب هذه المعطيات التي نعيش. ويكثر الرجل من القول: ما يسمى بالحراك, ويكرر تقويس مصطلح الحراك والحراكيين, وكأنه يتحدث عن عالم افتراضي لا وجود له, او تهيئات مع عالم الأرواح والميتافيزيقيا, ليخلص الى اتهام الحراكيين بالغباء, ويقول: (مما يؤشر ايضا على ضحل مستواهم الفكري والنظري والعملي), انتهى الاقتباس, ويتابع: يسلمون قيادهم لأقزام, يطمعون بالشهرة على حسابهم, فينزلق بهذا الى مستنقع الجهل بحقيقة أن الرابع يجمع من الشهادات العليا, وأصحاب مناصب ومواقع عامة قيادية, ومتقاعدين من حملة شعار الوطن وسلاحه, الذين تشرفوا بحماية الأردن, ردحا من الزمن وحتى تسليم الراية للخلَفْ, وشرفوا الوطن بالعطاء وحسن الأداء, وأصحاب فكر وثقافة ورسالة انسانية تبحث عن نظيرها, ووطنيين لا تصل اليهم الشبهات ولا تقترب منهم الريبة, اكثر مما يستطيع خياله القاصر, تصوره وحسابه.
ويصعّد كاتب الرأي, من الاتهام والوصم المتجني, وصولا الى قمة الرذيلة والسخف, حيث يصف الحراكيين بتبني اجندة غير وطنية, وتمويلية مشبوهة, بل يدعي ان اثبت مقومات نشاطهم, كره الوطن ونية دماره, وهنا يتمادى الكاتب المحترم, الى ابعد المعقول والممكن, وما يوفر لأي حراكي تَشرّف بالدفاع عن الوطن وكرامة المواطن, حيثيات الشكوى المبررة عليه وعلى صحيفته, حسب اكثر من قانون ومادة وجريمة اليكترونية, لا تحتاج الكثير من الدفوع لكسبها.
ثم يعود الكاتب الجهبذ, الى التصنيف والتجزئة, الى الفسطاطين اياهما, فيتحدث عن الثالوث المقدس (المواطن, الدولة, العرش), واضعا الأحرار والمحتجين في عداء واضح ومناددة لا منطقية, قبالة الدولة والعرش, بل ويتهمهم بمحاولة تفكيك وتدمير هذه العلاقة الصحية المقدسة, دون ان ينسى ان يضع نفسه في كفة الدولة والعرش.
يا لطيف…قيئٌ فكري لا يحتمل, وجذام لا تطاق اعراضه ولا ترياق له ولا شفاء منه, وأنفاس كريهة مؤذية قاتلة, ادعو الله لصاحبها ومن هبت عليه بالتوبة النصوح والعافية.
ويختم صاحبنا, بالتأكيد على ساعة حقيقة الاصطفاف الذي لا بد منه, فيقول: انا مع الأردن, الدولة والنظام الهاشمي, وأثق بحكمة مليكي عبد الله الثاني, مكرسا تصنيفه ومريض حكمه الضمني, مفترضا أن باقي ملايين الأردنيين الذين يرفعون الصوت باحتياجاتهم واحتجاجاتهم, ومطالبهم المحقة ومشاركتهم السياسية, برأيهم وخوفهم على وطنهم, كما طلب منهم مليكهم وحكومتهم ودستورهم, وفطرتهم الانسانية, وهم الأكثر حرصا على الوطن ومقدراته وأمنه ومستقبله, هم ليسوا مع الدولة والنظام.
وكم هو غبي الاعتقاد, بأن الإنسداح تحت عباءة النظام وصاحب العرش, وسب وشتم الأردنيين من هناك, قد يرضي الملك او يبهره, او قد يكون بطاقة العبور الى المجد والشهرة والمنصب.
وبالختام, لا ادري لما يساورني الشعور, بعد هذه الكلمات, بأنني قد أهديت هذا الكاتب وقتا لا يستحقه, بالفعل, ومساحة وجدانية ليس جديرا بها.
جمال الدويري