لن تبكي الشجرة…
جمال الدويري
…انقسم الجمع مرة اخرى الى ثلاثة فساطيط، هذا يقول انه تم الاعتداء على شجرة عيد الميلاد في مول اربد،
واخر يقول انه لم يكن هناك اعتداء مبيت اصلا،
في حين يتبجح الثالث، الناطق باسم المول: ان تسلق الشجرة كان مخططا ومقصودا، لقطف هدايا وضعناها عليها للزبائن.
وبعد ان شاهدت التوثيق المصور للحدث، اكثر من مره، ومن كل الزوايا، وسمعت من شهود عيان، ما جرى، فقد اصبحت لدي الصورة الواضحة التالية:
اولا، وبغض النظر، عن موقع شجر الميلاد ومعناه في العقيدة المسيحية من عدمه، فان شجرة الميلاد وتزيينها وانارتها، قد اصبحت مع مرور الوقت، طقسا من الطقوس الاحتفالية بعيد الميلاد المجيد ورأس السنة، وأضحت رمزا لهذه الممارسات المواكبة لهذه الأعياد الدينية، لا يجوز التعرض لها ولا الاعتداء عليها، بأي شكل من الأشكال، لا قصدا ولا مصادفة.
ثانيا، ان ما جرى في مول اربد، لم يكن اعتداء مقصودا او فعلا مبيتا غاضبا او حاقدا، موجها للدين المسيحي او رمزيته، للاهانة، لا سمح الله، في بلد كلنا به اخوة، لا فرق ولا تفريق، ولا ضغن ولا تجافي، والحمد لله.
ثالثا: ان ديناميكية القطيع التي حركت هؤلاء الجهلة لتسلق الشجرة وانتزاع هدايا وضعها المول، على حد قول ناطقه، لا تحتاج الى قصد او عمد او نية مبيته، بل يكفيها جاهل واحد يعلق الجرس، كي يتبعه غيره، دون تفكير او اناة وتفكر.
رابعا، ان هذه الفكرة الجهنمية الرخيصة، للاعلان والدعاية، التي برر بها مسؤولوا المول ما حدث هناك، لهي متدنية الأسباب، وضيعة الهدف، واجب محاسبة اصحابها وملاحقتهم قضائيا، حيث كادت ان تجرنا الى ما لا تحمد عقباه، وعلى زبائن المول ان يحاسبوهم بالجفاء والابتعاد.
خامسا، واذا دخلنا في خضم الحدس والتكهنات، وخاصة، انه قد ورد قبل ايام من رام الله، محاولات لتسلق شجرة الميلاد هناك، والسؤال عن صمت الجمهور الحاضر او عدم منع ما حدث، فقد كانت الصور اوضح دليل على ثقافة اللامبالاة والأنانية ومقولة (انا شو دخلني)، او الخوف من العقابيل الشخصية والاجتماعية والقانونية، للتدخل. وهذه بحد ذاتها، مثلبة اجتماعية غريبة عل نخوتنا التراثية التي نعتز بها ونغتخر.
سادسا، وحتى عدم تدخل رجال الأمن المتواجدين في المكان، لا يعني قصدا او نية او مؤامرة، خاصة وأن اصحاب المول، يبررون الفعل بقصة الهدايا التي اوضحت موقفي منها سالفا.
سابعا، وغالبية الأردنيين من اصحاب عقيدة (لكم دينكم ولي دين) ولا تكتمل هذه العقيدة الا بالايمان بالكتب والرسل جميعها التي نزلت على الانسانية، والاعتقاد بأن السيد المسيح عليه السلام، روح الله وكلمته لمريم البتول، وواحد من رسله لقومه وأتباعه، واننا جميعا في وطن واحد، يتمتع به الجميع بحرية الدين والعقيدة، اخوة لا فرقة ولا تفريق، فانه من غير المنطق وغير المعقول، ان يساء لرمز او معنى ديني لأحد، او ان تترك هذه الرموز نهبا لفكرة تاجر او هفوة صانع دعاية واعلان.
ثامنا، ولحساسية هذه الأمور، وقدسية العلاقات الأخوية التي تربط الأرادنة في هذا الوطن، وبأية ديانة او معتقد، والذي نرى به وفي كل زاوية وشارع، مأذنة مسجد تعانق جرس كنيسة، وأخوة أصدقاء من اتباعهما، يهنئون ويزورون ويتحابون، فعلى العقلاء والمدركين لخطورة الاندفاع الوجداني والانية السريعة، لأحد الاتجاهات، ان يفرغوا اية مغالاة او تحشيد او سوء فهم، من ديناميكيتها السلبية، ومضمونها العدائي الخطير.
وخاصة اصحاب الأقلام الوطنية القابضة على جمر سلم الأردن وسلامته، بأجواء اقليم ومؤامرات عالمية عليه، لها اوقاتها واستحقاقاتها.
لن نترك لشجرة ميلاد ان تبكي، ولا لأخ مسيحي ان يغترب في وطنه.
حمى الله الوطن، وللأخوة المسيحيين، مجددا، كل ميلاد وأنتم وذويكم والوطن بألف خير.
جمال الدويري