خريطة التهديدات: النفوذ الإيراني في سوريا… تسلح حزب الله… التصعيد في غزة…
1. كان العام 2018 أحد الأعوام الأكثر تركيباً من ناحية أمنية في العقد الأخير، رغم أن التوترات في الجبهات المختلفة لم تتطور لتصل إلى مواجهة عسكرية أو حرب.
منذ بداية شباط وقع حدث لم يكن له مثيل منذ 34 سنة، حين أسقطت طائرة من طراز اف 16 آي لسلاح الجو بنار مضادات الطائرات السورية بعد تسلل طائرة مسيرة إيرانية إلى الأراضي الإسرائيلية. وسجلت ذروة التوتر في 10 أيار، بعد أن أطلقت نحو 30 صاروخاً من سوريا نحو إسرائيل في هجوم فشل تماماً.إاسقاط الطائرة الروسية بمضادات الطائرات السورية والأزمة المرتبة جيداً من ناحية موسكو التي جاءت في أعقاب ذلك سجلت الفصل التالي الذي سيؤثر على السنة القادمة. صحيح أن بوتين لم يوجه إنذاراً لإسرائيل في أي مرحلة، وسلاح الجو يواصل عمله، ولكن مجال عمله آخذ في التقلص. وقد أشارت إسرائيل هذا الأسبوع إلى أنها ستواصل العمل على الأراضي السورية، ولكن حجم الهجمات أدنى بكثير.
بعد المغادرة المرتقبة للقوات الأمريكية، فإن محاولة منع تثبيت الوجود الإيراني في سوريا في السنة القادمة ستكون متعلقة قبل كل شيء بالمصلحة الروسية، وبجودة الحوار وعلاقات قيادتنا السياسية مع الكرملين.
ولما لم تعد حاجة إلى الحلف المشترك لروسيا، إيران وحزب الله وجيش الأسد للقضاء على الثوار، فإن مصلحة الروس بإيران آخذة في التقلص. والسوريون أنفسهم أيضاً لا يحبون محاولات الإيرانيين نشر الشيعة على أراضيهم. قدرة إسرائيل على التأثير على التواجد الإيراني ستكون متعلقة بقدرتها على تشخيص هذه الفجوات بين الروس والإيرانيين، والنجاح في التسلل إليها. هذه في أساسها مهامة سياسية، ولكن للجيش الإسرائيلي واستخباراته دور مهم فيها، عبر التشهير بالنشاط الإيراني ولا سيما في المواضيع التي تتضرر فيها المصالح الروسية.
2. إذا كانت بؤرة التركيز في السنوات الأخيرة على المعركة الخفية عن العيان بين إسرائيل وإيران، فإن كشف أنفاق حزب الله يؤشر إلى أن 2019 سيشهد توتراً مع حزب الله. فالجيش الإسرائيلي أنهى منذ الآن معظم الحملة، ولكن بقيت مسألة غير محلولة ـ ماذا سيكون مصير الأنفاق القريبة من الحدود ولم تجتز أراضي إسرائيل.
وفضلاً عن الأنفاق، فإن الانشغال المركزي للجيش الإسرائيلي سيكون محاولة إحباط تعاظم قوة المنظمة في كل ما يتعلق بالصواريخ الدقيقة. في إسرائيل يعتقدون أن حزب الله خطط لأن يحوز مئات الصواريخ الدقيقة التي اجتازت تحويلاً تكنولوجياً وبنية تحتية مناسبة. عمليا، وفقاً لفرضية الاستخبارات، في لبنان القليل جداً من هذه الصواريخ. ومعظم أعمال الإحباط تمت على الأراضي السورية، ولكن الأمور تتغير الآن، ومعها ستتغير المعاضل العملياتية.
رغم الضربات التي تلقاها حزب الله والإعاقات في خطة الصواريخ، فإن الحزب لن يهجرها. وبدلاً من أن يكون عبر سوريا، فإن المساعي للتسلح ستتم على الأراضي اللبنانية، ولا سيما من خلال تهريب الوسائل في رحلات جوية مباشرة من إيران إلى بيروت. وستكون المسألة التالية أمام رئيس الأركان الوافد أفيف كوخافي والقيادة السياسية: ما هي نقطة اللاعودة من ناحية إسرائيل، التي ستستوجب هجوماً في لبنان يمكنه أن يؤدي إلى مواجهة عسكرية، لدرجة الحرب.
لقد عاد مقاتلو حزب الله إلى لبنان، ولكنهم تركوا وراءهم غير قليل من المستشارين والضباط الذين يساعدون الأسد على إعادة بناء جيشه. ومثل حزب الله، فالجيش السوري هو الآخر سيستثمر الكثير من المقدرات في قدراته النارية، من خلال الصواريخ. والعلاقات المتوثقة بين الجيشين ستستوجب من الجيش الإسرائيلي مواصلة الاستعداد للإمكانية المعقولة في أن تدور الحرب التالية في الشمال في جبهتين، فيما سيحاول حزب الله استغلال مواقعه في سوريا.
3. غزة وحماس، وإن لم تكونا التهديد المركزي على إسرائيل اليوم، ولكن مثلما في السنة الماضية، فإن جبهة الجنوب ستشكل الخطر الأكبر على الاشتعال.
بعد ثلاث سنوات من الهدوء، منذ حملة الجرف الصامد، كان العام 2018 عام تصعيد. فحملة مسيرات العودة، والبالونات المتفجرة، وإرهاب النار، تطورت منذ الآن إلى جولات عنف، مئات الصواريخ أطلقت نحو إسرائيل، ورغم الهدوء النسبي في الشهر الأخير معقول الافتراض بأن رئيس الأركان الوافد أفيف كوخافي سيجد نفسه منشغلاً بقطاع غزة الذي يعرفه جيداً من منصبه كقائد الفرقة. احتمال المواجهة العسكرية في القطاع في السنة القادمة بات عالياً جداً.
حتى اليوم ليس هناك تقدم كبير في المفاوضات مع حماس لتهدئة بعيدة المدى، وكذا في المفاوضات لإعادة جثماني مقاتلي الجيش الإسرائيلي الملازم هدار غولدن والعريف أول اورون شاؤول، والمفقودين الإسرائيليين، وهي ليست برأس أولويات قيادتنا السياسية، خاصة في فترة الانتخابات. كما أن السياسة الإسرائيلية منذ «الجرف الصامد» واستخدام القوة العسكرية تجاه غزة في السنة الأخيرة سيكونان في بؤرة حملة العديد من الأحزاب في اليمين وفي الوسط، كورقة في مواجهة سياسة الاحتواء التي قادها نتنياهو في السنة الأخيرة، ولاقت عملياً تأييد الجيش. أما حماس، فحتى لو لم تكن خططت لذلك، فقد حصلت على جائزة في الوعي في غاية الأهمية، حين نجحت في أن تتسبب بأزمة سياسية خطيرة وباستقالة وزير الدفاع. ومثل حزب الله، تعلمت حماس كيف تستخدم سياقات الوعي في مواجهة إسرائيل.
رغم الهدوء النسبي، معقول الافتراض بأن الانتخابات القادمة ستترافق والتوتر في الجنوب. فتحت الرادار وقع هذا الأسبوع حدث مقلق لإسرائيل في سياق العلاقات بين مصر وحماس: ثلاثة نشطاء من الذراع العسكري للمنظمة ينشغلون أغلب الظن في محاولة تهريب الوسائل القتالية من القطاع، تحرروا هذا الأسبوع من المعتقل المصري بعد بضعة أشهر. وكبادرة نية طيبة عادوا مع وفد حماس الذي زار القاهرة، واستقبلوا باحتفالية في منزل رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية.
قبل نحو أسبوعين فقط تغير رئيس الاستخبارات العسكرية المصرية، والتقدير هو أنه كان لتسلم الجنرال خالد مغوار مهام منصبه تأثير على التحرير. وفي إسرائيل كان يسرهم أن يروا بالمعتقلين ورقة مساومة للوصول إلى اتفاق مستقبلي على التسوية، ولكن للمصريين اعتبارات ومصالح أخرى، خاصة هذه الفترة التي لا يكون فيها للحكومة عندنا إنصات لمعالجة مشكلة غزة. من الصعب الشكوى من المصريين. ففي كل ما يتعلق بالقطاع، فإن فترة الانتخابات تعطل كل إمكانية لخطوة سياسية مع حماس.
تل ليف رام
معاريف 4/1/2019