حرفة الكذب الممنهج: وهم الحقيقة

نعيمة عبدالجواد

 

الكذب إثم يقترفه البشر، إما للتجمل أو للوصول لغاية ما، وبدون الخوض في جدل أخلاقي حول الكذب وأنواعه ومبرراته، فإن الكذب ما هو إلا وسيلة لخلق وتأصيل حقيقة وهمية لخداع الآخرين، ولدفعهم أن يقروها أمراً واقعاً، أي أن الكذب يصنع حقيقة موازية لا أساس لها من الصحة، وبذلك تتحول الحقيقة إلى «وهم الحقيقة».
والأكاذيب على مستوى الأفراد يقتصر ضررها على فرد أو جماعة ما، لكن لا يتصور أحد أن كذبة كبرى قد تضرب مصالح وليس فقط مجتمعا واحدا، ولكن أيضاً بمصالح دولة، أو مجموعة من الدول، وذلك ما يحدث بالفعل على المستوى الجيوسياسي الذي يبحث في علاقات المناطق أو الدول بعضها بالآخر، حين يحترف القائمون على الأمور صناعة خلق الأكاذيب المحبوكة لتحقيق غايات بعينها، كما في حال الشخص الكاذب، ولكن على نحو موسع، ويعد هذا ضرباً من ضروب الدعاية الناجحة الفاعلة.
طور يوسف جوبلز وزير دعاية هتلر نظريته الدعائية الشهيرة «وهم الحقيقة» التي أصبحت ركيزته الأساسية في الدعاية السياسية والحرب النفسية، وهو بذلك من أوائل من أرسى أسس الكذب الممنهج. وتعد نظرية يوسف جوبلز إحدى ركائز الأساليب الدعائية، وتدرس حتى الآن ضمن المقررات الدراسية في المدارس، وكليات الإعلام، وأقسام الصحافة في أوروبا والعالم، وتتردد أصداؤها في عالمنا الحديث بقوة، بل إن تلك النظرية تعد أهم المدارس الإعلامية التي انبثقت منها نظريات عدة بدلت ليس فقط مسار السياسة الإعلامية في العالم، بل أيضاً، المناخ الجيوسياسي للعالم أجمع، وكذلك أساليب الحرب الحديثة.
ومنبت نظرية جوبلز جملته المتواترة «واصل الكذب إلى أن تتحول كذبتك حقيقة». ولكي ترقى أي كذبة إلى مستوى «وهم الحقيقة» المنشود، يجب أن تنطوي الكذبة على ملامح من الحقيقة حتى يصدقها الناس، بعبارة أخرى، يجب أن تسرد الكذبة أمراً واقعاً، ولكن بشكل مشوه. أضف إلى ذلك، يجب ألا يتزعزع الكاذب عند ترديد كذبته، ويجب أيضاً الثبات عليها بغض النظر ما إذا كان يبدو للآخرين ضعيف الرواية، أو حتى ضعيف العقل لإصراره على رواية قد لا يصدقها عاقل. لكن، بمرور الوقت، وبسبب ذلك الإصرار الملح، يبدأ الآخرون في تصديق الرواية الكاذبة، ومعاملتها على أساس أنها واقع، ومن هنا يتم خلق ما يسمى بوهم الحقيقة، وهو الحالة التي يبدأ فيها الآخرون معاملة الأكاذيب والشائعات على أنها واقع محتوم.
فعلى سبيل المثال، جرائم التشهير بشخصيات بارزة في المجتمع من الصعب كشفها إلا في حالات نادرة، حيث يتفنن من يعمد إلى التشهير بإحدى الشخصيات العامة إلى اجترار عادة أو سلوك أصيل تتميز به تلك الشخصية، ثم يعمل على ربط ذاك السلوك أو تلك العادة بكذبة كبرى من شأنها أن تضرب كيان هذا الشخص، مثل تلفيق الفضائح الجنسية وقضايا الشرف لشخصيات بارزة، لابتزازهم سياسياً أو اجتماعياً. وبعد ذلك، يتم تكرار الكذبة على نطاق موسع، وعلى نحو متواصل إلى أن يصدق الجميع الأكذوبة ويتعامل معها على أساس أنها أمر واقع.

غلف المستعمر الأجنبي هدفه، غير المعلن، لنهب ثروات دول العالم الثالث بالادعاء أن غايته إرسال بعثات سلمية لتطوير مجتمعات همجية لم يطالها التطور، وأن ما ينهبه من خيرات وثروات تلك الدول هو وسيلة لفتح أسواق خارجية لموارد تلك الدول حتى تنتعش حالتها الاقتصادية.

وبإلقاء الضوء على الكذب على مستوى الدول، أي على المستوى الجيوسياسي، يلاحظ وجوب اقتراف الكذب على نطاق موسع. ففي الحقب الاستعمارية، على سبيل المثال، غلف المستعمر الأجنبي هدفه، غير المعلن، لنهب ثروات دول العالم الثالث بالادعاء أن غايته إرسال بعثات سلمية لتطوير مجتمعات همجية لم يطالها التطور، وأن ما ينهبه من خيرات وثروات تلك الدول هو وسيلة لفتح أسواق خارجية لموارد تلك الدول حتى تنتعش حالتها الاقتصادية. أما أكبر كذبة، فهو تبرير ما يقترفه المستعمِر من ممارسات عنيفة وقمعية لأبناء الدول المستعمَرة بأنها محاولة عاجلة لتهدئة الأوضاع للتفرغ لتطوير تلك الدول، ولعل أبرز الأمثلة الدالة على ذلك، الكذبات الكبرى التي اختلقها المستعمر عند احتلاله لقارة إفريقيا السوداء. لكن أعتى وأكبر الكذبات على الإطلاق، هو ترسيخ مفهوم أن الحركات الاستعمارية بالفعل مبادرة حسنة النوايا لتطوير شعوب همجية، والعجيب أن أبناء الدول المستعمِرة ما زالوا يصدقون تلك الكذبة حتى يومنا هذا.
ولقد استخدم يوسف جوبلز هذه النظرية لإقناع الملايين من الشعب الألماني بمبادئ الحزب النازي، فكان من تبعات ذاك الإصرار الذي يلح فيه على فكرة أنه استطاع أن يقنع الملايين من الشعب الألماني بالانضمام للحزب النازي وتأييد سياساته. وعندما شغل جوبلز منصب زعيم الحزب النازي لمنطقة برلين عام 1926، قام في العام التالي مباشرة بتأسيس صحيفة للحزب واطلق عليه اسم «الهجمة» عام 1927 ومن خلالها كان يبث مبادئ الحزب النازي. وبسبب تفوقه وبراعته في الإقناع، تم انتخابه في العام التالي 1928 ليكون عضواً في البرلمان الألماني. وارتقى وتعاظم صيته في الحزب حتى صار محط إعجاب هتلر نفسه، وفي نهاية المآل صار صديقاً مقرباً له. وعلى إثر ذلك، قلده هتلر منصب الوزير العام للدعاية عام 1933، في حين تقلد هتلر منصب المستشار.
وتجلى ذكاء جوبلز عندما استغل وسائل الإعلام السائدة في ذلك الوقت، من صحافة وغيرها، وأفرغها من المضمون التي طورت لأجله، فجعل منها وسيلة للتجهيل والتعتيم، بدلاً من أن تكون وسيلة للتنوير. وعلى هذا النحو، برع في خداع العامة وتجنيدهم لتحقيق أهدافه، ومن ناحية أخرى، نجح أيضاً في أن يسكت وللأبد أصوات المثقفين الذين يفهمون حقيقة ما يحدث من خداع وتزييف للحقائق، نظير ألا يطالهم القمع الذي ضرب سابقيهم.
ومنذ ذلك الحين، اندلعت الأكاذيب في أرجاء عالمنا الحديث، بداية من اشتعال الحروب العالمية وما تلاها من حروب وصراعات. فالأكاذيب الجيوسياسية الممنهجة بدلت المواقف، وغيرت مجرى التاريخ. وقد أكد على ذلك الروائي والكاتب والناقد والصحافي الإنكليزي جورج أورويل (1903-1950) في مقاله الشهير «التفكر في الحرب الإسبانية» المنشور عام 1943، أي تلك الحقبة التي اقترنت فيها أهوال «الكساد العظيم» الذي ضرب الولايات المتحدة عام 1929 مع الاستراتيجيات الإعلامية الغاشمة لهتلر وستالين. وبما أن الدعاية في ذلك الوقت اشتهرت بكونها فن صناعة الأكاذيب، فإن ذلك يعني أن التاريخ الحديث صار كذبة كبيرة. وبناء على ذلك، صرح جورج أورويل قائلاً: «لقد توقفت صيرورة التاريخ بداية من عام 1936 وما تلى ذلك مجرد دعاية».
وللحديث بقية…
٭ في اللغة الألمانية ينطق حرب (J) ياء، ومن ثم تنطق Joseph: يوسف

٭ أكاديمية سعودية

قد يعجبك ايضا