لماذا تدير حماس حرب استنزاف في غزة؟
بعد سنة تقريباً على بداية المظاهرات على الحدود بين القطاع وإسرائيل، وعلى خلفية الجهود المصرية لترسيخ التهدئة، يطرح على جدول الأعمال سؤال أي طريق على إسرائيل أن تتبعها تجاه حماس. أرغب في مناقشة هذا السؤال على قاعدة معرفتي القريبة والطويلة التي امتدت لسنوات في إطار خدمتي العسكرية حول ما يحدث في القطاع ومعرفتي بشخصيات رفيعة المستوى من حماس.
تحليل خطوط العمل التي على إسرائيل اتباعها يقتضي معرفة استراتيجية حماس، خاصة على المستوى السياسي والأيديولوجي. يجدر التأكيد أن حماس التي أنشئت بعد بضعة أيام على اندلاع الانتفاضة الأولى (على أساس تنظيم «المجمع الإسلامي» الذي عمل في القطاع بمصادقة إسرائيل منذ 1979) عمل فعلياً كفرع لحركة الإخوان المسلمين التي أنشئت في مصر في نهاية العشرينيات، تأثر بها ومثل مبادئها في الساحة الفلسطينية.
على المستوى الملموس يجب التعامل مع مستويين رئيسيين كقاعدة للتحليل. الأول هو السياسي ـ الأيديولوجي، حماس تطرح فيه نظرية منظمة ومفصلة لمواقفها وآرائها، ومصاغة بصورة قاطعة فيما يتعلق بإسرائيل واليهود. بالملخص، حماس ترفض وجود إسرائيل وهي لا تعترف بها ككيان سياسي شرعي وتدعو فعلياً إلى تصفيتها وإقامة دولة إسلامية فلسطينية على أنقاضها. كل ذلك في حدود معينة، من البحر إلى النهر. وكمرحلة أولى تمهيداً لإحياء الخلافة الإسلامية في المستقبل.
المستوى الثاني هو مستوى النشاط على الأرض. بالملخص، في هذا الشأن يمكن ملاحظة مقاربة براغماتية من جانب حماس، التي يتم التعبير عنها كاستعداد للدفع قدماً بتفاهمات مع إسرائيل على وقف إطلاق النار (تهدئة حسب وصفها). ولكن دون الاعتراف بإسرائيل ومن خلال إجراء مفاوضات معها بواسطة وسطاء.
قبل سنة تقريباً بدأت حماس بمظاهرات ومواجهات عنيفة على طول الحدود، من خلال تسميتها «مسيرات العودة وكسر الحصار»، من خلال الشعور بالأزمة التي وجدت نفسها فيها في أعقاب دفعها إلى الزاوية، سواء من قبل إسرائيل أو من قبل الأنظمة العربية، هذا على خلفية التطورات في المنطقة، وقلة الاهتمام بالموضوع الفلسطيني، والوضع الاقتصادي الصعب الذي تغرق فيه حماس، والانشغال المتزايد بمواضيع إقليمية أخرى، وفي مركزها مشكلة إيران. في هذه الظروف تعزز في حماس الخوف من تهديد متزايد على استقرار حكمها وعلى استمرار سيطرتها في القطاع. الأحداث العنيفة على الحدود تستهدف تغيير قوانين اللعب من ناحيتها.
في الحقيقة، حماس تدير ضد إسرائيل حرب استنزاف. التهديد الذي تضعه حماس أمام إسرائيل ليس بمستوى الخطر الوجودي، ومظاهر نشاطها في السنة الأخيرة لا تشكل لها ذريعة للحرب. إزاء ذلك، على إسرائيل أن تظهر مقاربة تدمج التصميم والصبر والصمود والعمل ضد حماس بخطوات محسوبة، من خلال الاعتراف بأن الأمر لا يتعلق بصراع قصير على نمط «ضربة واحدة وانتهى الأمر»، بل معركة طويلة ومتواصلة.
في سيناريو حسبه تقف إسرائيل أمام ضرورة شن عملية عسكرية شاملة، عليها أن توقع ضربات مؤلمة لأهداف حماس ـ ولكن ليس من خلال نية احتلال المنطقة، ومن خلال التصرف بصورة لا تجرها إلى التخبط ثانية في وحل غزة.
إن إعطاء تفويض جديد للسلطة الفلسطينية للعمل في القطاع يبدو لي في الظروف الحالية سيناريو لا أساس له وغير واقعي. حماس سيطرت في 2007 على القطاع ليس من أجل تحويل المنطقة على طبق من ذهب إلى أيدي محمود عباس.
في أي سيناريو لا أرى كاحتمال معقول موافقة من جانب حماس على نزع سلاحها وإعطاء عباس المسؤولية لإدارة الشؤون بروح طلبه المعروف وهو «حكم واحد وقانون واحد وسلاح واحد».
في هذه الظروف، على إسرائيل أن تواصل سياستها الحالية، التي يتم التعبير عنها بجهد لتأسيس تهدئة أمنية لفترة طويلة بقدر الإمكان، مقابل ثمن بالحد الأدنى من ناحيتها يتمثل بتحويل مساعدات مدنية إنسانية، وضخ الدعم المالي من مصادر خارجية وتوسيع منطقة الصيد. مع ذلك، على إسرائيل أن تقف بالمرصاد وأن تمنع تآكل مطالبها الأمنية ومواصلة الإشراف الشديد كمحاولة لإحباط تعاظم قوة حماس العسكرية.
في هذه الأيام، حيث إسرائيل تقف إزاء تحد مهدد تضعه حماس، أتذكر الأقوال التي قالها لي رئيس البلدية الأسطوري في غزة، رشاد الشوا، والتي تظهر كنبوءة تجسدت. لقد كان ذلك قبل فترة قصيرة من موته في أيلول 1988، قبل أقل من ساعة على اندلاع الانتفاضة. جلسنا على شرفة بيته الذي عاش فيه في حي الرمال الفاخر، وحولنا سمعت أصوات المتظاهرين المحتجين ضد الاحتلال الإسرائيلي، وزجاجات حارقة ألقيت على الشارع، وسحب دخان كثيفة تصاعدت من الإطارات المشتعلة. نظر نحوي وسأل «ما هي غزة؟»، وبدون الانتظار سارع إلى الإجابة: «غزة هي مشكلة إسرائيل». بالحسنى ستعيش معكم بسلام، وبالشر ستكون حجر رحى معلق على رقابكم.
دافيد حاخام
هآرتس 12/3/2019