المصلحة الأمريكية: «المؤقت يصبح دائماً»… كما الجولان!

 

هضبة الجولان توجد بعيداً عن «صخرة وجودنا»، ولكن معظم الجمهور اليهودي يؤمن بوجوب التمسك إلى الأبد بهذا الإقليم من البلاد الذي احتله السوريون. هذا الإجماع الواسع جداً لا يوجد حتى بالنسبة لسيطرتنا في القدس. والآن، بعد أكثر من نصف قرن على الاحتلال، اعترفت الولايات المتحدة أيضاً بأن المؤقت أصبح دائماً. هذا مثال مسلٍ على الشكل الذي تتقدس فيه حدود الدول.
بداية القصة في 1924، حين قررت بريطانيا وفرنسا بأن تقع الهضبة في الجانب السوري الخاضع لحكم فرنسا. وهكذا استجابوا لإرادة الأمير محمود الفاعور، رئيس القبيلة البدوية بني فضيل ممن كان أهلها يقطنون بين القنيطرة والنهر. فلو لم رفض الأمير الانفصال عن القصر الذي بناه في مفترق وسط في شمال الجولان لكان من شبه المؤكد أن انضمت الهضبة إلى أراضي الانتداب البريطاني في بلاد إسرائيل ولكان التاريخ اتجه في وجهة مختلفة عن تلك التي سار فيها.
نحو 20 سنة، من نهاية حرب التحرير وحتى حرب الأيام الستة وقعت على طول الحدود مئات الحوادث التي لم يبادر السوريون إليها جميعها. نحو 150 شخصاً قتلوا وبعض من بلدات الخط الأول دمرت في أعمال القصف. ومع ذلك تخلفت الحكومة في استغلال الفرصة التي وقعت لها بعد الهزيمة السريعة لمصر والأردن. وفقط في 9 حزيران، بعد أن تبين أن الجيش السوري انسحب من الهضبة كي يستعد لحماية دمشق أن الاتحاد السوفياتي لا يهرع إلى نجدة حليفه وأنه بعد قليل سنضطر إلى وقف النار، عندها فقط وافق موشيه دايان، وزير الدفاع، الأمر بالعملية. لو أنه تردد ليوم واحد آخر، لكانت الفرصة فاتت، ولو تقدم بيوم واحد لوصل الجيش الإسرائيلي إلى ضواحي دمشق. ينبغي الافتراض أنه لولا فرار 130 ألفاً من سكان الهضبة وتدمير مئات قراهم، لكان الخلاف على مستقبل الجولان مشابهاً للخلاف على ضم الضفة الغربية. كل واحدة من هذه الإمكانيات كان يمكنها أن تغير وجه التاريخ. ليست القرارات المتوازنة لمؤسسات الدولة هي التي قررت مستقبل الهضبة منذ الحرب إياها. فقد انجرت المؤسسات وراء حفنة من الطلائع، أهمها يهودا هرئيل، رجل كيبوتس منيرا، الذي أراد إيقاظ الحركة الكيبوتسية من غفوتها ويضع أمامها هدفاً باعثاً على التحدي. ومع انتهاء الحرب، وبصحبة بضعة شبان، ومساعدة بضعة أناس مجربين، استوطن الزوجان هرئيل مع طفليهما التوأمين في البلدة السورية الفارغة القنيطرة. وخطوة إثر خطوة، بعناد مثير للعجب، في ظل استغلال الاتصالات الشخصية، وفي ظل سحر زعماء حركة العمل الذين تذكروا عهود صباهم الرومانسية، وضع هرئيل ورفاقه الأساسات للاستيطان في الجولان، وكلما نما الاستيطان على وجه الأرض القفراء تعززت الصلة العاطفية التي بينها وبين مواطني إسرائيل. أما التخوف من رد فعل الرأي العام الإسرائيلي فهو السبب الأساس لإخفاق كل المحاولات للوصول إلى اتفاق مع الحكام في دمشق. أوليس هذا مثالاً ممتازاً على الدور الحاسم للطليعة في تصميم التاريخ؟
إن الخطوة البراقة للغاية التي أحدثها أناس الجولان وحلفاؤهم هي تحريك حكومة بيغن لتشريع قانون الجولان في العام 1981 الذي يطبق القانون والقضاء الإسرائيلي على أرض محتلة دون الإعلان عن ضمها. مناحم بيغن، الذي أراد التكفير عن الانسحاب من سيناء، تأثر بالادعاء بأن مليون مواطن وقعوا على عريضة ضد التنازل عن الهضبة، غير أن زعماء الاستيطان رفعوا الزعيم التعب: عدد الموقعين لم يربُ على بضع عشرات الآلاف. صوت الجمهور الزائف أحدث القانون الذي يشترط إلغاؤه (وفقاً لقانون سن بعد بضع سنوات من ذلك) بأغلبية كبيرة في الكنيست وباستفتاء شعبي. لهذا القانون، مثلما هو أيضاً الاعتراف الأمريكي، لا توجد له قيمة من ناحية القانون الدولي. أو حتى رأي كل الحكومات باستثناء تلك التي في واشنطن، ولكن إسرائيل تحتاج إلى بضع مئات السنين من الوجود إلى أن يعتاد العالم.

يرون لندن
يديعوت 25/3/2019

قد يعجبك ايضا