هزيمة النظام العسكري في موقعة «بي بي سي»!

سليم عزوز

 

شاهدتم، بطبيعة الحال، مسرحية «مدرسة المشاغبين»! ليس هذا تساؤلاً، ولكنه إقرار بأن الجميع شاهدوا هذه المسرحية بطبيعة الحال، أما لماذا «بطبيعة الحال»، فلأن التيار الذي كان يبتعد عن القراءة والمشاهدة من خارج المنهج التنظيمي، افتتحت عيناه على الحياة، قراءة ومشاهدة، فبعد الانقلاب العسكري في مصر، لم تعد قبضة القيادة كما كانت من قبل، ثم إن الفشل خفف من هيمنة نظرة الاحترام إلى هذه القيادات، فحدث بعض التمرد، وبدا المتمردون كما لو كانوا يكتشفون الدنيا للمرة الأولى، لكن تكمن المشكلة في تعاملهم بأن هذه اللحظة هي مرحلة بدء الخليقة!
يكتب أحدهم أنه شاهد فيلم «أبي فوق الشجرة» مثلاً، وهو فيلم قديم، من زمن الأبيض والأسود، ولا يدرك أن أباه لم يعد فوق الشجرة، فقد نزل منها ومات وشبع موتا وربما هو الآن في مرحلة عذاب القبر. ويقول أحدهم قرأت في مقدمة إبن خلدون، كما لو كانت اكتشافاً، فاته أن البشرية تجاوزت «المقدمة» ومرت بمرحلتين من تاريخها بعد هذه المرحلة، الأولى غنت فيها «أنوشكا» بظهرها، والثانية، استدارت فيها وأطلعت الناس على وجهها!
ويقرأ لي بعض هؤلاء الآن، فأتهيب حضورهم، فلم أعد أكتب عن مذيعة في هذه الزاوية، إلا وأن أتحسس كلماتي، فهم قوم لا تزال فيهم بداوة، فلا يتفهمون النكتة، ولا يتقبلون الفكاهة، وإن حضر منهم لهذه الزاوية قبل الثورة من استنكروا طريقتي في الكتابة، وعلقت أكثر من مرة أنني لا أكتب لسكان تورا بورا!
ولأن الدنيا تغيرت، فمن المؤكد أن الموانع سقطت، وهي التي حالت دون مشاهدة الأعمال الفنية، وبالتالي، فأتوقع أن الممنوعين من المشاهدة، وقد شاهدوا «أبي فوق الشجر»، قد امتد بهم الأمر لمشاهدة «مدرسة المشاغبين»، المسرحية الأشهر في تاريخ الاقتباس الفني، فيقال إنها تعريب لعمل أجنبي، وكثير من أعمال هذه المرحلة مقتبس ومنقول!
و«مدرسة المشاغبين» كانت إيذانا بمرحلة جديدة في مصر، يرى البعض أنها كانت كاشفة لها، في حين يرى آخرون أنها كانت منشئة لهذه المرحلة، التي استهدفت تدمير التعليم، وإبطال القيم الاجتماعية السائدة التي تجعل من المعلم قيمة مهمة! وقد تأثرنا في مرحلة الصبا بها، ووجدناها ملهمة لنا للتعاملمع معلمة اللغة الإنكليزية المستوردة من بلدة بجوارنا أكثر تمدنا، فقد كنا الجيل الثاني، فالجيل الأول كان يتم استيراد مدرسي اللغات الأجنبية له من القاهرة، وإن وجد في جيلنا مدرسون من بلدنا «عياد النسر شنودة»، و»محمد شعبان»، لكن لم يكونوا يكفون في ظل سياسة التوسع في إنشاء المدارس!
لم نتخيل – يا إلهي- أنه يمكن أن تدخل علينا معلمة، وكان معلمنا للغة الانكليزية يتوقف تخرجه من كلية التجارة على نجاحه في مادة رسب فيها، ربما كانت مادة الانكليزي كذلك(نقول انجليزي لكن مضطر للتعايش مع سكان هذه الجريدة)، وقع خبر قدوم معلمة لنا علينا وقوع الكوارث، فكيف سنتعامل معها؟ وماذا لو تجاوزت حدودها وأهانت أحداً منا؟ ماذا سيقال في المجتمع المحيط: أهانته إمرأة! ربما وصلت الفضيحة لمجلس الأمن!

الأبلة عفت

وكان الحل في مدرسة «المشاغبين»، سنعاملها إذن كما «الأبلة عفت عبد الكريم»، أو «سهير البابلي». أحدنا قال: لابد أن تعلم أننا صعايدة (أي لا نقبل أن تتحكم فينا إمرأة)، لم نقف لنسأل أنها من «طهطا» وأنها صعيدية أيضا، لكنها من بلد ضربتها لمسة المدنية، لدرجة أنها تنتج معلمة وهذه المعلة تسافر يوميا لمسافة ثمانية عشر كيلو مترا ذهابا وإيابا (لابد إذن أنها تحلف بغربتها). ثم إن أبناء «جهينة» لديهم شموخا قبليا خاصاً بهم! إذن لابد أن نذبح لها القطة. دخلت جنابها الفصل، والحمد لله كانت كالعصفور، فلم تكن تملك من ملامح القوة شيئاً، فهي قصيرة القامة، مغرية إذن بأن ترى قوة شكيمتنا، وكانت أول مواجهة غير مقصودة.
حيتنا بلغة الصباح باللغة الانكليزية طبعا. وكان ردنا عليها يتبعه قولنا (سير)، فاحمرت خدودها البيضاء كاللبن الحليب، فقد كانت تعتقد أننا نسخر منها، لكنها ربما استوعبت سريعاً، أننا نتعامل مع التحية كلها على أنها «باكيج»: «جود مورنينج آند سير»، لم تجد بداً من تجاوز الموقف، حتى لا تتعجل الصدام، ولم تكد تعطينا ظهرها وتكتب على السبورة، حتى قمنا بتحريك أرجلنا على البلاط، فأحدث صوتا هائلا، ويبدو أنها من كانت عقدت النية على أن تذبح لنا القطة، فالتفت إلينا وهي تقول من الحمار الذي فعل هذا؟!
«حمار» واحد؟ هل هي جادة في ذلك؟! لقد كنا أربعين حماراً في الواقع، لكنها قررت أن تختزل مشكلتها مع واحد فينا فقط، لأن كون الاتهام على الشيوع يستلزم منها أن تكون معركتها مع الفصل كله، وهو ما نريده، إذن هي مشكلتها مع حمار واحد، ودخولها المعركة متوقف على إعلانه عن نفسه!
وكانت ردة فعل مفاجئة لنا، ثم إن الاعتراف سيمكنها ممانخشى منه وهو فضيحة اهانة إمرأة لرجل (عمره 13 عاماً لكنه في النهاية رجل)، سلمنا بأنها ليست إمرأة سهلة فسكتنا جميعا، لتبدأ الحصة الأولى في هدوء، ولم تستمر في المدرسة طويلاً.. نسيت إسمها للأسف!

هزيمة مرسي

وقد فشلت خطتنا في أن نجعل منها «أبلة عفت» جديدة، ربما حتى لا نصل للفصل الثاني من المعركة، عندما هتف سعيد صالح: «مرسي إبن المعلم الزناتي اتهزم يا رجالة»، وكانت هذه مرحلة انتهاء الفتونة في الفصل، وهي ذاتها المرحلة التي يعيشها النظام المصري الانقلابي الآن، بعد أن احتشدت ثلاث مؤسسات ضد قناة «بي بي سي»، ولم تملك حيالها شيئاً، إلا أداء العاجزين، عندما تطلب كل مؤسسات من المؤسسات الأخرى أن تتخذ موقفاً قويا تجاه القناة البريطانية، التي تعمل ضد مصر، ثم يكون الطلب من المؤسسة المعنية هو مجرد مقاطعة القناة، التي تخدم أجندة الإخوان المسلمين!
فالبرلمان وعلى لسان المتحدث الرسمي باسمه يطلب من السلطات المختصة (لم يحددها) اتخاذ موقف حاسم ضدها، لارتكابها عمليات تشويه لمصر!
والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يكتفي بمجرد الشجب والادانة ضد القناة التي تعمل ضد مصر! والهيئة العامة للاستعلامات (التابعة لرئاسة الجمهورية) تطلب من النخبة المصرية مقاطعة القناة، وعدم قبول الظهور على شاشتها!
كان بامكان مجلس الاعلام أن يلغي وجودها على القمر نايل سات، لفترة محدودة أو للأبد، وأن يسود شاشتها، لكنه لم يجرؤ!
أما هيئة الاستعلامات (هيئة الإعلام الخارجي)، فهى التي تمنح تراخيص العمل، وهي التي توافق أو لا توافق على فتح مكاتب للقنوات التلفزيونية والصحف، وقد أغلقت مكتب الجزيرة من قبل، وألغت التراخيص الممنوحة للاعلاميين بالمكتب، وقد تعرضت الجزيرة للتشويه على القمر «نايل سات» المملوك لمصر، لكنه الإجراء الذي لم تجرؤ السلطات المصرية أن تمارسه مع «بي بي سي» رغم اتهامها بأنها قناة اخوانية، الحكومة البريطانية نفسها اخوان، لأنها لم تضع الاخوان على لائحة الإرهاب الدولي! بيد أن الـ «بي بي سي» ليست «الجزيرة»، والأخيرة دعت السلطة لمقاطعتها ونفذت هذا عملياً، وقد شاهدنا كيف أن الاسد المغوار وزير الخارجية، كلما حل ضيفاً بالسودان وشاهد ميكروفون «الجزيرة» أبعده، فهل يجرؤ مسؤول تابع لسلطة الانقلاب أن يتصرف على هذا النحو مع ميكرفون «بي بي سي»، مع وجود قرار المقاطعة؟! إنه مجرد طلب موجه للنخبة وليس للسلطة، بالمقاطعة، لأن العين لا تعلو على الحاجب، وإن كان البرلمان طالب بموقف حاسم من هيئات الدولة، فقد أكد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أن القناة البريطانية تعمل ضد مصر، وطلبت هيئة الاستعلامات من النخبة أن تقاطعها هي!
ودفعت السلطة بذراعها الاستراتيجي لأرض المعركة، فاتهم أحمد موسى «بي بي سي»، بأنها تسعى للقيام بانقلاب على ثورة 30 يونيو، ودعت السلطات إلى اغلاق مكتبها! وإزاء هذه الطلب من السلطات، ولا سلطات تتحرك أو تستجيب، أوشكت الاعتقاد بأني السلطة التي يتوجهون لها بهذا الطلب، فقد أسمعت لو ناديت حياً، لكن لا حياة لسلطة العسكر، التي استأسدت على الجزيرة، لكنها تحولت إلى فأر مذعورا في مواجهة «بي بي سي»، فليس كل الطير يؤكل لحمه، كما يقول المثل المصري!

حملة اطمن

إنما ماذا فعلت «بي بي سي» دفع سلطة الانقلاب في مصر إلى إعلان الحرب؟!
كل ما فعلته هو أنها أذاعت تقريراً باهتاً عن حملة «اطمئن انت مش لوحدك»، وقد تطرقت لرد الفعل على استحياء، فالقائمة على مكتب القاهرة «صفاء فيصل» ودت لو أن القناة نقلت بثها من قناة النيل للأخبار، فقد تم اختيارها على قدر لتحل محل أكرم شعبان بعد أزمة سابقة، لكن ماذا تفعل ولا يمكن لحدث مثل هذه الحملة أن تتجاهله، فعالجته بهدوء، ثم إنها في مؤتمر سابق للسيسي بدا أنها تريد أن تتطوع بالقرب، لكن من حوله لم يسمحوا لها بذلك، وعوملت كما لو كانت اخوانية متنكرة، لتكتشف مع الأيام أنه يصدق فيها قول القائل:
فما كل من تهواه يهواك قلبه/ ولا كل من صافيته لك قد صفا!
فالسلطة في مصر تقلقها كلمة، وتزعجها حملة، ويصدع أركانها مصري دخل الكونغرس الأمريكي، فتعلن الحرب على إثر هذا، لكنها تدرك أنها أقل من أن تقوم بموقف حقيقي، ليس فقط كما فعلت مع الجزيرة، وإنما مع مكتب جريدة «الشرق» القطرية، التي كان يعمل بها أكثر من مئة وخمسين صحافيا مصريا، دون أن تنشر الصحيفة ما يسيء لسلطة الانقلاب!
إنها أسد هنا.. وفي الحروب نعامة، فنحن أمام أداء الولايا (جمع ولية)، ولم يتبق إلا أن تصدر دعوة بوجوب كنس أضرحة الأولياء في الـ «بي بي سي»!
إنه مرسي إبن المعلم الزناتي، وقد هُزم يا رجالة!

 صحافي من مصر

قد يعجبك ايضا