مقترحات لتفادي انهيار الدولة
واسيني الأعرج
وصل الحراك في الجزائر إلى نقطة أصبح فيها الحذر أكثر من واجب. نعم للحفاظ على الحراك في أقاصي سلميته وعنفوانه واستمراريته في مطالبه نحو تغيير النظام، لكن يجب أن نعي أن تغيير أي نظام كلياً يحتاج إلى زمن، والمرور عبر ثلاث مراحل كبرى متتالية متكاملة. يمكننا اليوم، بالنسبة للحراك الجزائري، أن نقول إنه شارف على إنجاز المرحلتين الأوليين. المرحلة الأولى من تغيير النظام انتهت بنجاح كبير بدون نزول قطرة دم واحدة على الأرض الجزائرية، بدأت بشيء واضح هو إسقاط العهدة الخامسة التي أصرت عليها العصابة حتى آخر لحظة، محتقرة الإرادة الشعبية، وانتهت بتوقيف مسار الانتخابات كلياً، وباستقالة رئيس الجمهورية، مع الحفاظ له على حد أدنى من الكرامة للرئيس، ضمنتها مؤسسات الدولة ومنها مؤسسة الجيش. أي تم تفادي النهايات الدراماتيكية على الطريقة الليبية أو العراقية أو حتى المصرية.
للرجل ما له وعليه ما عليه. الشعب قد لا يغفر له ثلاثة أخطاء: تغيير الدستور بعد ولايتين رئاسيتين قانونيتين، وعدم الاستقالة الكريمة لحظة تأكد العجز الصحي، والسماح للعصابة بأن تكبر وتتسع من حوله ضمن غلاف جهوي مقيت جاء الرئيس بوتفليقة ليحاربه، فأعاد إنتاجه بشكل بائس وغير مسبوق. ونفس الشعب يحفظ له المنجز المتعلق بخروج الجزائر من إرهاب مدمر، صحيح بثمن غال دفعه بالدرجة الأولى ضحايا الإرهاب، ودفع المديونية المثقبة لعاتق الجزائر التي قدرت وقتها بحوالي ثلاثين مليار دولار، ويحفظ له أيضاً منجز البنيات التحتية الكبيرة، كالطريق السيار، والسدود الكبرى والمطارات، والجامعات وغيرها، وإن تم ذلك على خلفيات غير مسبوقة من الفساد، عطل فيها القضاء كلياً، ولم يعد له إلا دور التغطية على العصابة والحلقات التي تدور حولها، بالخصوص بعد انقلاب العصابة على الرئيس منذ نهاية الولاية الثالثة وبداية الرابعة، وتسييرها المافياوي لشؤون الدولة، قبل أن تتحول إلى قوى غير دستورية متخفية وراء عجز الرئيس عن الكلام والحركة، وعراها الحراك الشعبي بشكل مفضوح وكلي. فقد ظلت العصابة على مدار أكثر من ولاية، تسيِّر البلاد كما تسير المافيا مزرعة خاصة في ميدلين أو باليرمو أو ميلانو. وكان الريع النفطي هو وسيلتها للغنى وشراء الذمم، لدرجة أن أصبح من الصعب جداً مس أحد من رجالاتها بسوء. وسيتبين من المراحل المقبلة، أي بعد مواجهة المجموعة للعدالة، درجة الضرر الذي تسببت فيه وقسوة ما حصل للكثيرين. بدأت المرحلة بسجن أحد الأباطرة وأحد رموزها الظاهرة، علي حداد، وهو يحاول الهرب عن طريق الحدود البرية الجزائرية-التونسية، كان من الذين يعينون الولاة والمسؤولين الكبار، ويفصلونهم وقت ما يشاؤون. انتهى به المطاف اليوم إلى سجن الحراش. على الرغم من قوته التي كان يستمدها من أخ الرئيس، السعيد بوتفليقة، إلا أنه الحلقة الأضعف والسمكة الأخف، من ناحية سلطة القرار. بقية العصابة تحت الإقامة الجبرية. وهذا صعب قبوله من الناحية القانونية والقضائية، ومن ناحية مطالب الحراك. يجب أن يمروا جميعاً عبر القنوات التي يفرضها القانون، مع الإصرار على محاكمات عادلة، ومع قضاة نزيهين وغير فاسدين. بعض اللافتات المرفوعة في الحراك حملت نداءات خطيرة: الإعدام للعصابة؟ كيف تبدأ مرحلة جديدة بالإعدامات؟ كما حدث في بعض البلدان العربية.
على الحقبة الجديدة أن تنفتح على عصر جديد يجد فيه كل إنسان حقه القانوني في البراءة قبل إثبات الجريمة. نحتاج إلى منطق آخر أكثر إنسانية، وإلى قضاء حقيقي غير ذلك الذي ظلت العصابة تجيره لمصلحتها الخاصة، وضد خصومها وأعدائها. فقد ابتذلت العصابة كل شيء لمسته. لا يكفي سجن بارون واحد من العصابة لإسكات الجماهير المحتشدة في المدن والحارات؟ لا تختم المرحلة الثانية إلا بوضع كبار المتسببين في الخراب تحت طائلة القانون. وتنتهي المرحلة بالتخلص من كل رموز السلطة، أو على الأقل شل فاعليتها، داخل أجهزة الدولة قبل العبور إلى الانتخابات الرئاسية، وهذا ليس أمراً سهلاً. فالتغيرات لا يمكنها أن تتم في الفراغ، وعلى الحراك أن يكون خلاقاً في الاستجابة لأفق الانتظار، والحفاظ على الدولة في الآن نفسه، ثنائية ليست فقط ضرورية، ولكن حيوية أيضاً. الفراغ يمكن أن ينسف ليس بالثورة الناعمة وحدها، ولكن بالدولة أيضاً.
أن يشرف رئيس مجلس الأمة على المرحلة الانتقالية كاستجابة للمادة 102 للدستور ليس إشكالاً، لأن الوظيفة شكلية ومرتبطة بعمق بالمادتين 7 و8 اللتين تمنحان السلطة للشعب. التفكير في لجنة مراقبة والإشراف على الانتخابات والترشيحات أكثر من ضرورة. لهذا يجب أن تكون مسندة بترويكة مكونة من رجل قانون وسياسي كبير وشخصية اعتبارية حتى لا يتم السطو على الحراك مهمتها بالدرجة الأولى المساعدة على تسيير المرحلة الانتقالية، والتحضير لانتخابات رئاسية حقيقية حتى لا يتم السطو على الحراك. وهكذا نحافظ على الدستور ومنح الثورة فرصة الاختيار. لا يمكن أن تستمر الدولة بلا رئيس، فهذا يعطلها عن أداء مهامها الوطنية والدولية. ينتخب رئيس الجمهورية لعهدة واحدة تكون كافية لمنح البلاد الاستقرار الذي تحتاجه، لكنه يتمتع بالشرعية الشعبية الكاملة. بمجرد انتخاب الرئيس في الآجال التي يحددها الدستور، ينسحب الكل ويباشر الرئيس مهامه الوطنية، فيعين حكــــومة جديدة فعالة وممثلة للحراك، تشرف على تسيير أوضاع البلاد في ظل الأزمات المقبلة، وتحضر لدستور جديد، دستور على الطريقة الأمريكية، خال من كل المرجعيات الأيديولوجية المضرة بوحدة البلاد ويعلي من شأن المواطنة. كما يتم في الولاية نفسها التحضير لانتخابات برلمانية بغرفتيها، وتكون بذلك المرحلة الانتقالية قد تمت كلياً، ويكون الحراك قد أعطى نتائجه. وهذا يضمن سير مؤسسات الدولة بالشكل الذي يليق بها، ولن تكون الجزائر عرضة الشغور الخطير، بالخصوص عندما نرى أن المحيط الدولي الاستعماري، الجهوري التبعي، بدأ يشغل الخطط المختلفة لتفجير الوضع وتوريط المؤسسة العسكرية وخلخلة وحدة البلاد كلياً، والتحضير لتدخلات دولية قاتلة، خططها جاهزة.
كلما أسرع الحراك في إدراك المخاطر المحدقة بالبلاد، سار بمشروع تغيير النظام إلى الأمام، وبخطى حثيثة.