حماس والورقة الأخيرة: تسليم الجثة الأخيرة… نهاية الحكم وبداية الاحتلال الجديد وضياع الهوية الوطنية

بقلم د. تيسير فتوح حجه  ….

الأمين العام لحركة عداله
في اللحظات الأخيرة من عمر الصراعات الكبرى، لا تسقط الأطراف عسكرياً فقط، بل تسقط سياسياً وأخلاقياً ورمزياً. وعندما تصل أي سلطة إلى مرحلة استخدام “الجثة الأخيرة” كورقة تفاوض، فهذه ليست مناورة قوة، بل إشارة واضحة إلى نفاد كل الأوراق… والدخول في مرحلة الانكشاف الكامل.
ما يجري اليوم ليس مجرد تبادل رسائل عبر وسطاء، ولا مجرد صفقة محدودة الأثر. نحن أمام لحظة فاصلة تعلن عملياً نهاية مرحلة حكم، وبداية مرحلة أخطر: إعادة تشكيل السيطرة على غزة، ولكن هذه المرة بغطاء جديد، وأدوات مختلفة، واسم آخر غير الاحتلال المباشر… مع بقاء الجوهر كما هو: سلب الإرادة الوطنية الفلسطينية.
من سلطة الأمر الواقع إلى الفراغ السياسي
حين تتحول آخر أدوات التأثير إلى “ملف إنساني” يتم توظيفه سياسياً، فهذا يعني أن المشروع السياسي الذي كان يُفترض أن يحكم ويُدير ويُخطط، قد تآكل حتى العظم. الحكم لا يسقط فقط عندما تدخل الدبابات، بل يسقط عندما يفقد القدرة على حماية شعبه، وصون كرامته، والحفاظ على قراره الوطني المستقل.
غزة اليوم لا تواجه فقط دمار البنية التحتية، بل دمار البنية السياسية. وعندما تضعف البنية السياسية إلى هذا الحد، ينشأ الفراغ… والفراغ في الحالة الفلسطينية لا يبقى فراغاً، بل يُملأ سريعاً — إما باحتلال مباشر، أو وصاية خارجية، أو إدارة مفروضة تحت مسميات “إنسانية” و”دولية”.
الاحتلال الجديد بوجهٍ مُقنَّع
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في سقوط شكل من أشكال الحكم، بل في ما سيأتي بعده. هناك ترتيبات تُطبخ على نار هادئة لإدارة غزة بعيداً عن الإرادة الوطنية الفلسطينية. مجالس، لجان، إدارات مؤقتة، إشراف أمني خارجي… كلها عناوين براقة، لكن مضمونها واحد: انتزاع القرار الفلسطيني من يد الفلسطيني.
هذا هو الاحتلال الجديد — لا يأتي بالدبابة فقط، بل يأتي عبر المساعدات المشروطة، والإدارة المفروضة، ونزع السلاح السياسي للشعب، وتحويله إلى مجرد ملف إغاثي يُدار من الخارج.
الهوية الوطنية في مهب الريح
عندما يُختزل الشعب الفلسطيني في غزة إلى أزمة إنسانية فقط، ويتم شطب بعده السياسي وحقه في تقرير مصيره، نكون أمام أخطر مراحل ضياع الهوية الوطنية. الهوية لا تضيع فجأة، بل تُستنزف تدريجياً عندما يُمنع الشعب من ممارسة سيادته، ويُفرض عليه من يحكمه ومن يمثله ومن يتحدث باسمه.
القضية لم تعد فقط من يحكم غزة، بل: هل سيبقى القرار فلسطينياً؟ أم سنستيقظ على واقع جديد تصبح فيه غزة منطقة مُدارة دولياً، بلا سيادة، وبلا مشروع وطني جامع؟
موقف حركة عداله
إن حركة عداله الاجتماعية العمالية المدنية الفلسطينية تؤكد أن أي ترتيبات لمستقبل غزة لا تنطلق من الإرادة الوطنية الفلسطينية الحرة، ولا تمر عبر مرجعية وطنية جامعة، هي إعادة إنتاج للاحتلال بأدوات مختلفة.
نحن لسنا أمام معركة فصيل، بل أمام معركة هوية وطنية. المطلوب اليوم ليس فقط وقف الحرب، بل منع تصفية القرار الفلسطيني تحت غطاء الإغاثة وإعادة الإعمار. فالإعمار بلا سيادة هو تكريس للهيمنة، والمساعدات بلا قرار وطني هي سلاسل ناعمة تقيد شعباً بأكمله.
غزة ليست أرضاً بلا شعب، ولا ملفاً إنسانياً يُدار من الخارج، بل جزء أصيل من الوطن الفلسطيني، وقرارها يجب أن يبقى بيد شعبها ضمن مشروع وطني شامل، لا مشاريع مفروضة تحت ضغط النار والدمار.
اللحظة خطيرة… لأنها قد ترسم شكل فلسطين لسنوات طويلة قادمة:
إما شعب يُعيد بناء نظامه الوطني بإرادته،
أو شعب يُدار بالنيابة… وتضيع هويته بين الطوارئ والوصايات.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا