مهمة فاشلة في تل أبيب… ووزير مغربي هزمته اللغة!

الطاهر الطويل

 

لا شك في أن الكيان الصهيوني مبتهج هذه الأيام، إذ انشغل العرب عن جرائمه البشعة وانتهاكاته المتواصلة لحقوق الشعب الفلسطيني بمعارك صغرى هامشية في ما بينهم، مثل تلك التي أُثيرتْ حول زيارة مُدَوِّن سعودي مغمور إلى “تل أبيب”، بغرض التمهيد للتطبيع مع العدو الصهيوني، في إطار وفد ضمَّ صحافيين عربًا “مُهروِلين”.
المدوّن السعودي المغمور حاول استفزاز مشاعر العرب والمسلمين بكتاباته وتصريحاته التي يُعبّر فيها عن افتتانه بدولة الاحتلال، وكذا بزيارته إلى الأماكن التي يفتخر بها الصهاينة، حيث التُقطتْ له صورٌ وهو يصافح بعضهم هناك فرحًا، وبلغ الاستفزاز ذروته حين سعى المدوّن إلى “تطهير” نفسه من الإثم العظيم بالاتجاه نحو المسجد الأقصى المبارك.
وهنا سقط بعض الشباب المقدسيين في الفخ، فعِوَضَ التعامل مع تلك الخطوة المستفِزّة بالتروّي والحكمة، لجأوا إلى السّباب والبصق في وجه المدوّن “المُطبّع”، ولم يكتفوا بذلك، بل وثّقوا تصرفاتهم تلك صوتًا وصورة، كما لو أنهم بصدد إنجاز عمل بطولي تجاه خصم عنيد!
صحيح أن الرسالة التي حاول المقدسيون تمريرها عبر ذلك المشهد، هي رسالة تحذير لكل مواطن عربي تُسوّل له نفسه المشاركة في “تجميل” صورة العدوّ المغتصِب، ولكنّ الطريقة التي جرى به طرد المدون السعودي المغمور جعلت منه بَطلا مشهورًا، لا سيما بعدما تداولت قصته العديد من القنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي.
كان بالإمكان رفع شعارات قوية في وجهه وترديد عبارات التخوين، دون الوصول إلى الشتم والبصق، فذلك أسلوب يُسيء إلى نبل القضية ومشروعية الحق، ويجعل ذوي الحقوق مُسيئين، ويصبح الظالم مظلومًا. فإيماننا بعدالة القضية الفلسطينية شيء، واستنكارنا للهوان العربي شيء آخر، ولكنّ ذلك لا ينبغي أن يجعل منّا مُحامين فاشلين لقضية عادلة.
الخلاصة نفسها تنطبق على التصرف غير اللائق الذي قُوبل به طاقم قناة “العربية” من لدن شبّان فلسطينيين، حيث طُرِدَ بعبارات السباب ووابل من الحجارة، باعتبار تلك القناة تُروّج للسياسة المتبعة من لدن النظام السعودي الحالي والتي تتعارض مع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ورغم أن بعض الأبواق السعودية الرسمية تروم إيهام المجتمع الدولي بأن بلاد الحرمين الشريفين منخرطة في الهرولة نحو “إسرائيل”، فإن ذلك لا يمكن أن يحجب حقيقة أن فئات واسعة من السعوديين، سواء كانوا مواطنين عاديين أم كتّابا وصحافيين وحقوقيين ورجال دين وغيرهم، متشبثون بالقضية الفلسطينية، ورافضون لأيّ مسار تطبيعي نحو الكيان الصهيوني.

حصان خاسر!

أقوى ردّ على المدون السعودي المغمور الذي قام بزيارة “تطبيعية” إلى الكيان الصهيوني لم يأت من العرب، وإنما من داخل “إسرائيل” نفسها، حيث جرت بهدلته بهدلة أقوى وأكثر من تلك التي قام بها الشباب المقدسي، فقد حوّلته قناة تلفزيونية “إسرائيلية” إلى موضوع سخرية وتندر وتشكيك في رجولته، حيث بثّتْ مقابلةً مع فتاة يهودية معروفة بإثارتها للجدل، ذكرتْ فيها أن المدوّن السعودي بمجرد نزوله من الطائرة شغّل هاتفه المحمول، وفتح منتدى للمحادثة بحثًا عن فتيات يهوديات، لكن حظّه العاثر جعل ولا واحدة منهن تتواصل معه أو تؤشّر على علامة الإعجاب بجانب صورته.
وهنا قالت الناشطة الإسرائيلية متهكمة إنه بَدَلَ التوجه إلى القدس والمسجد الأقصى، كان على المدوّن السعودي أن يذهب إلى شواطئ “تل أبيب” ليجرّب حظه هناك بحسب نيته، ما دام هدفه من الزيارة لم يكن سياسيا، وإنما بحثًا عن البنات “الإسرائيليات”. وهي بهذا الكلام، ضربت عصفورين بحجر واحد: تهكّمتْ على الشاب السعودي الطامع في “التطبيع” والمتعة الجنسية، وسخرت أيضا من الحكومة “الإسرائيلية” التي تراهن على مثل هذه النوعية من الناس ممن يفكرون بجزئهم الأسفل فقط!
ومن ثم، يَصْدُقُ على المُدوّن السعودي البئيس عنوان مسرحية شكسبير الشهيرة “خاب سعيُ العشاق”، فلا هو في العير ولا في النفير، على رأي المثل العربي الشهير. ويَصْدُقُ أيضًا على حكومة الكيان الصهيوني قولُ المُقامِر المصدوم: “راهنت على حصان خاسر”!

وزير “فرنسة” التعليم!

موضوع الساعة في المغرب هو سقطة وزير التعليم الذي صار أضحوكة العالم، بعدما تناقلت قصته عدة قنوات عربية ومن بينها “الجزيرة” و”الشرق” وغيرهما.
لعله خرج منتشيا من معركة فرض تدريس مجموعة من المواد العلمية باللغة الفرنسية، حيث أفلح في تمرير قانون التربية والتكوين تحت قبة البرلمان المغربي، منهيا بذلك مسار التعريب المتعثر.
لكن فرحته لم تدم طويلا، فها هي اللغة العربية التي استهدف إقصاءها من تدريس العلوم، تنتقم منه أمام الناس، حيث ضُبط وهو يتلعثم خلال إلقاء خطاب في جمع رسمي، واستعصى عليه النطق بكلمتي “المتوجين” و”المتوجات”، علاوة على ارتكابه أخطاء لغوية أخرى.
صحيح أنه ليس المسؤول المغربي الوحيد الذي يرتكب في خطبه باللغة العربية أخطاء كارثية، ولكن السخرية العارمة منه تعود إلى أسباب كثيرة:
أولها، أنه وزير للتعليم، ويُفترض فيه إتقان اللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية للبلاد.
وثانيها، أنه من أنصار “فرنسة” التعليم في المغرب، وهو نهج بدأ بالمواد العلمية، وسينتقل بالتدريج نحو العلوم الإنسانية وباقي المواد والمناهج التعليمية.
وثالثها، أن زوابع كثيرة أثيرتْ حول الوزير المذكور، بدءًا بطريقة سلامه على الملك خلال تنصيبه مسؤولا عن قطاع التعليم، مُرورًا بكيفية تدبيره لملف الأساتذة المتعاقدين ومشكلة طلبة كليات الطب والأسنان، وغيرها من ملفات التعليم المستعصية.

لغة الخشب!

انتشر، هذه الأيام، على القنوات المغربية عدد من الأشخاص الذين يقدّمون أنفسهم كمحللين سياسيين (كمحللين وليسوا محللين فعلا)، يتولّون تحليل الخطاب الذي ألقاه العاهل المغربي، عشية الاثنين المنصرم، بمناسبة “عيد العرش” المصادف للذكرى العشرين لتولي الملك محمد السادس الحُكم خلفًا لوالده الراحل الحسن الثاني.
غير أن تحليلات أولئك الأشخاص لا تخرج، في الغالب، عن المديح والإنشاء والتعبيرات الفضفاضة. والحال أن الخطاب الملكي واضحٌ وضوح الشمس، ولا يحتاج إلى المزيد من الشروح والشروح على الشروح. ما يحتاجه هو خطة إجرائية محددة الأجل، تبسط الحكومة تفاصيلها أمام الرأي العام، وتشرع في تنفيذها.
إن أولئك المحللين المزعومين يهيئون كلاما تحت الطلب، ويُلْقُونَه أمام الناس عبر القنوات التلفزيونية، متوهّمين أنهم يقدّمون خدمة جليلة للوطن، بينما هم وجهٌ من أوجه الأزمة التي تعانيها البلاد، أزمة ربط الخطاب بالممارسة، وأزمة الوضوح والمصداقية وغياب النقد الذاتي.
كلام المحللين المزعومين منحوتٌ بلغة خشبية ثقيلة على القلب، فلا ريب إن أصبح مثار سخرية الساخرين في مختلف شبكات التواصل الاجتماعي. ولكن، هل يدرك مَن يدعونهم إلى نشرات الأخبار والبرامج الحوارية أن أسلوب التزلف مضى وانقضى، ولم يعد يقنع أحدا أمام الثورة التكنولوجيا الحديثة والفضاء الإعلامي المفتوح على كل الجهات؟

كاتب من المغرب

قد يعجبك ايضا