رسالة لعطوفة مدير الأمن العام ” اللواء فاضل باشا الحمود “
وهج 24 : لعناية عطوفة فاضل باشا الحمود، مدير الأمن العام الأكرم.
…ليس مجرما قاتلا، ولا ارهابيا، ولا خطرا على النظام والدولة، ولم يتعاطى ولم يروج ولم يتاجر بممنوع، لكنه اردني ستيني متقاعد عسكري، مثل وحيده الذي يتشرف بحمل شعار الوطن وخدمته، يعيش ضنك الحياة مثل الاف الأردنين، الذين زلت اقدامهم تحت وطأة العيش الضنك وصعوبة المعيشة وضرورات الستر، فتعثر ماليا، ويقضي محكومية شمل حقها العام، العفو العام الأخير، ولكن اصرار اطراف اخرى بالقضية، اقارب من الدرجة الأولى، على عدم اسقاط الحق الخاص، ورغم تعهده بدفع المبلغ سبب الحكم، حال دون خروجه الى الحرية. مرضت زوجته التي قاسمته الحياة والضنك، لعقود عديدة، فقدت بغيابه الصحة والأمن العائلي، ولم يستطع رفيق دربها ان يشرف على علاجها وتخفيف وطأة الألم عنها، ففقدت الأمل، وفجر الأمس، ودعت الحياة الى رحمة واهب الحياة وقابضها، دون ان يستطيع رب عائلتها وشريك حياتها ان يمسك يدها بحنو كما فعل دائما. وتحت وقع صدمة فقدان الأم، والى جانب غياب الأب القسري، سعى ولده لاستخراج تصريح لوالده، لوداع شريكة حياته والصلاة عليها، والمشاركة بمراسيم الجنازة والدفن، وتم تأجيل الدفن من الظهر الى العصر، لاستكمال الاجراءات، وتم بالفعل الموافقة على السماح للسجين المذكور بوداع زوجته…ولكن،
بشرط مرافقة امنية حثيثة، لم تكن بحد ذاتها، السبب لكتابة هذه الرسالة، اما ان يكون الرجل مقيدا لأحد الشرطيين المرافقين له، فهذا ما استدعى، ان اعرض على عطوفتكم هذه الحالة، والسؤال: اين المسحة الانسانية التي يجب ان لا تغادر عملا يرافق التعامل مع الانسان، اغلى ما نملك، والموروث الاجتماعي الرحيم والعادات الكريمة، التي تتنافى مع تعريض الرجل للحرج وامتهان الكرامة امام جمع المعزين؟
المحصلة، لقد ابى الرجل الكسير، وبحزن الأرض كله، ان يهدر ماء وجهه، ورفض توديع زوجته مقيدا ذليلا لا حول له ولا قوة.
عطوفة الباشا، نحن مع القانون وانفاذه على الجميع، ونحن ممن يحييون الأمن العام ويشكرونه على جهوده وتضحياته، ولقد دبجنا به النثر والشعر، ولكنني وبهذا السياق، لا اجد بي حرجا من التعبير عن الغضب حد الحنق وعدم فهم ما جرى، سيما اننا نقرأ ونسمع ونعرف عن حالات فاسدين، بل كبار فاسدين، غادروا الوطن من صالات كبار الزوار، رغم كل ما اقترفوا بحق الوطن وأهله ومقدراته، بيعا ونهبا وتبذيرا.
اعتذر عطوفتك عن الاطالة، ولكن هذه الحالة الانسانية بالذات، الوجدانية بامتياز، لم تترك لي خيار الاختصار والتلميح، وكان لا بد من التفصيل وشرح ابعادها وحيثياتها.
عطوفة الباشا، وأختم بهذه الاضافة:
الى جانب ثقة الناس والمعارف بهذا الرجل ومحبتهم له، فان قطط الحي الجوعى، تعرفه وتسعى اليه كلما مر بشارع او حارة من الحواري القريبة من مكان سكنه، فقد اعتاد هو وزوجته ان يحملا الطعام لكل هائمة لا تقوى على الاقتيات الذاتي، وفي ذات يوم، وجدت المرحومة قطة على قارعة الطريق وحدود الرحمة، وقد صدمها احد الطائشين بسيارتة، فحاولت اسعافها او اطعامها على الأقل، ولكنها لم تجد في حقيبة يدها الطعام المعتاد، التي كانت تحمله لتلقمه للأفواه الجائعة المواءة، فسارعت الى البيت تخبر زوجها بالحال والمشاهدة، وما كان منه الا ان استقل سيارة اجرة الى موقع القطة الجريحة، على امل ان يستطيع انقاذها، فوجدها وقد فارقت الحياة، ولم يستطع الا ان يأخذها الى خلاء يواري بقاياها به.
على فكرة…الرجل بحالة صحية ونفسية غير جيدة، ساءت اكثر بعد ان تعذر حضوره بالأمس لوداع شريكة حياته وأخذ الأجر بها.
اعتذر اخيرا من هوام الحي ذات المواء، التي افتقدت صديقيها بالموت والسجن، واحترمت الأيدي الحانية، لأبي هريرة وأم هريرة جديدين، منعتهما هذه الظروف القاهرة العصيبة من مواصلة العطاء والرأفة، والله الرحمن الرحيم سبحانه، يكون بعون وحيد العائلة الشاب، الذي يحتاج الى صبر ايوب ورسوخ الجبال لينوء بحمل الفراق المزدوح والوحدة.
مع كل الاحترام والتقدير، عطوفتكم.
جمال الدويري