أفلام محمد عبد الوهاب الغنائية: أثر الفن الخالد وذكرى المجد والجمال

مروة متولي

 

في أحضان موسيقى عبد الوهاب نسلم مشاعرنا ونستسلم لكل ما ظننا تناسيه والهروب منه ممكنا، وبالاستماع إلى صوته ننسى كل صوت آخر غربي أو شرقي استمعنا إليه يوماً، فلا صوت سوى صوته ولا موسيقى سوى موسيقاه ولا غناء سوى غنائه، هو الصوت والموسيقى والغناء، هو الوطن والأصل والجذور، هو الأساس ونقطة الارتكاز، هو الروح والدماء السارية في العروق، هو اللغة واللهجة والمشاعر والأحاسيس، التي منها خُلقنا وعليها جُبلنا، هو من يعيدنا إلى أنفسنا ويضعنا في مواجهة قلوبنا وأرواحنا، ينتزع الآهات من صدورنا عن طيب خاطر، ونبذل الدمع راضين على وقع أنينه.
نرى محمد عبد الوهاب بطلاً لسبعة أفلام، تم إنتاجها وعرضها في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، هي من أكرم الكنوز الفنية وأثمنها، وتعد أثراً خالداً من آثار الحياة لا الموت، الحب لا الخوف، الحرية لا القهر.
كما أنها ذكرى المجد والجمال الغامر وتوثيق اجتماعي لحياة لم نعرفها وزمن لم ننعم بالعيش فيه، والحق أن هذه الأفلام السبعة رغم أهميتها لا يمكن لها وحدها أن تعبر موسيقياً عن فن عبد الوهاب، فمن يستمع فقط إلى ما احتوته من أغنيات كثيرة وجميلة، فإنه لم يسمع إلا اليسير من قائمة أغنيات عبد الوهاب الطويلة، ولم يستمتع بما في حقبة العشرينيات المذهلة من أغنيات كثيرة متنوعة كتبها أحمد شوقي وغيره من الشعراء، ولم يذق جمال وروعة أغنيات مثل: «بالله يا ليل تجينا» ، «اللي راح راح يا قلبي» ، «سيد القمر» ، «ردت الروح على المضنى معك» ، «حسدوني وباين في عينيهم» ، «أحب أشوفك» وغيرها الكثير والكثير من الأغنيات، كما تزخر حقبة الثلاثينيات والأربعينيات أيضاً بالعديد من الأغنيات خارج هذه الأفلام، يغنيها عبد الوهاب بصوت لا يتجاوز 2 أوكتاف لكنه يأتي فيها بالبدع والأعاجيب في كافة المقامات الموسيقية ومختلف القوالب الغنائية القديمة والمبتكرة.
هذه الأفلام السبعة هي كل ما نملك لكي نرى عبد الوهاب ونتأمل وسامته وأناقته وحديثه الرصين وحركاته ولفتاته الرزينة وملامح عبقريته وشاعريته وحساسيته الشديدة، وقد حُرمنا من رؤية حفلاته القديمة وكيف كان يجلس ليغني ويسحر الأسماع والأفئدة بصوته وموسيقاه، وتحمل جميع الأفلام توقيع المخرج محمد كريم الشاب الوسيم الذي يبدو كنجم سينمائي كما يظهر من صورته التي يضعها بجوار اسمه على مقدمة الفيلم، كما يضع صور جميع من يشاركون في الفيلم من ممثلين وتقنيين وكتاب فنرى صورة المنفلوطي بزيه الأزهري الكامل على مقدمة فيلم «دموع الحب» المستوحى من أحد أعماله الأدبية، وقد استطاع كريم أن يصنع سينما جميلة تليق بموهبة عبد الوهاب وفنه.
وأبدع في تصوير الأغنيات فلا تتشابه أغنية مع أخرى، وفاق حد الخيال أحياناً كما في أغنية «عندما يأتي المساء» في فيلم «يحيا الحب» 1938 حيث يقف عبد الوهاب في شرفة البيت ليلاً ومن خلفه أضواء القاهرة المتلألئة في سمائها والمنعكسة المتموجة على نيلها، وكذلك في تصوير أغنية «ضحيت غرامي» في نهاية فيلم «الوردة البيضاء» 1933 حيث يقف عبد الوهاب خلف السور الحديدي المحيط بمنزل حبيبته ليلة زفافها لا يرى سوى الأضواء في المنزل بينما يقف هو في ظلام خانق، ويبدو كعصفور يغني داخل قفص بحركاته المترددة القلقة، وعندما ينتهي من الغناء يغرق ويختفي في الظلام الكامل وتظهر كلمة النهاية، وكان جميلاً أن المخرج لم يُظهر العروس للمشاهد ليشعر بنفس شعور عبد الوهاب الذي اختفت حبيبته عن أنظاره إلى الأبد.

الرومانسي التراجيدي والكوميدي

وقد تنوعت الأفلام ما بين الرومانسي التراجيدي والكوميدي الخفيف كفيلم «ممنوع الحب» 1942 الذي يؤكد لنا منذ أول مشاهده أن حقبة الثلاثينيات قد انتهت تماماً بكل ملامحها، وإننا بصدد مرحلة اجتماعية وفنية مختلفة، فاختفى قدر كبير من البراءة وصار عبد الوهاب أقرب إلى زير النساء، وكذلك البطلة الحبيبة صارت نداً له قادرة على المواجهة والتحدي تسافر وحدها وتدرس في الجامعة، لم تعد تلك الفتاة الضعيفة الجالسة في البيت بعد انتهاء المرحلة المدرسية مكتفية بالقراءة والعزف على البيانو في المنزل، حتى التواصل الجسدي والتعبير عن الحب قد اختلف كثيراً فنرى عبد الوهاب للمرة الأولى يخلع حذاء حبيبته ويقبل قدمها، كما نراه يجلس عند قدميها صامتاً هادئاً وديعاً جميلاً بينما هي التي تقوم بالغناء وتنظر إليه وتلامس وجهه وشعره بأصابعها.
وعلى هامش الموسيقى والغناء والتمثيل تتجمع لدى المشاهد الكثير من الملاحظات حول بعض الأفكار المتقدمة بشكل لافت كما في فيلم «يحيا الحب» وهذه الأسرة المختلفة المكونة من ابنة وأب وأم، لكن الأم رجل أيضاً هو الخال شقيق الأم المتوفاة الذي تناديه البطلة طوال الفيلم بـ «ماما» ولم يشعر الفنان محمد عبد القدوس الذي لعب هذا الدور بأنه يسيء إليه أو يقلل من شأنه بل إنه أجاد في تصوير عاطفة الأمومة ولم يتحرج من إظهار البكاء وسرعة التأثر، ويثير العجب هذا الإدراك المبكر لحقيقة أن الأمومة لا ترتبط بجنس ولا تقتصر على نوع دون الآخر، ويمكن للرجل أن يكون أماً أكثر من امرأة قاسية، ويمكن أن يكون للأسرة أكثر من شكل غير شكلها التقليدي.
أما الفيلم الأول «الوردة البيضاء» 1933 فتبقى له مكانته الخاصة في القلب برومانسيته وبراءته الصافية ونهايته الحزينة الواقعية، ونقرأ في مقدمة الفيلم هذا التعريف: «رواية مصرية غنائية وضع فكرتها محمد متولي»، والغريب أن محمد متولي لم يكتب أيا من أغنيات الفيلم، رغم أنه شاعر غنائي أيضاً نعرف له أغنية «عشقت روحك» التي يغنيها عبد الوهاب بأسلوب يذيب القلب من جمال آهاته، وربما كتب له أغنيات أخرى لا نعرفها، في هذا الفيلم كان عبد الوهاب في الثلاثين من عمره وكانت البطلة أمامه «سميرة خلوصي» ابنة أحد بكوات المملكة المصرية المولودة لأم فرنسية، والتي تثير الإعجاب في بداية الفيلم وهي تحتضن قطها الأليف وتراقصه وتدور به على أنغام الموسيقى، لا تغني هذه الجميلة التي لا تمتلك موهبة الغناء لكنها تسحر الأسماع طوال الفيلم بصوتها الدافئ الغني ورقتها البالغة والرنين والتنغيم والوقفات الأنيقة وطريقة النطق المميزة، هذه الفتاة الأرستقراطية لا تردد بعض العبارات بالفرنسية إلا عندما تتحدث مع أجنبي أتى ليصلح البيانو في المنزل، عدا ذلك تتحدث بالعربية وتنطق «بابا» كما تُنطق بالعامية حتى اليوم، وعندما ترجوه وتطلب منه شيئاً تقول «والنبي يا بابا» ولأنها يتيمة الأم تقول لزوجة أبيها يا «نينة» ، ونراها تكاد تتحول إلى فتاة ريفية بسيطة في تعبيرها عن مشاعرها وحبها لعبد الوهاب ومحاولتها للتقرب منه وكسر الحواجز بينهما حين تقول له: «يعني احنا الاتنين دلوقت أيتام، والأيتام قرايب زي ما بيقولوا». وكأنها تشكو إليه فقدها لأمها وتواسيه في نفس الوقت لفقده الأم والأب، كما تقوم بلهفة وحب بمساعدة الخدم في تنظيف غرفته وترتيبها وتنسيقها وتحرص على أن تضع وردة بيضاء بجوار فراشه لأنها رمز الحب المستمر طوال الفيلم منذ أن وضعتها في يده في البداية عندما لم تستطع أن تخبره بأنها تحبه فأهدته الوردة البيضاء.

الثلاثينيات والأربعينيات وحرية النقد

لم يكن عبد الوهاب في الثلاثينيات والأربعينيات إلهاً يُعبد لا يمكن لأحد أن يتحمل عواقب الكفر به، وفي زمن الحرية كان من الطبيعي أن نقرأ نقداً لاذعاً له على صفحات مجلة «الرسالة» الداعم والمحب الأكبر للأستاذ الموسيقار كما لقبته رغم صغر سنه، فكانت تنشر ما يكتبه الناقد الفني الفذ الفريد «عزيز أحمد فهمي» الذي وإن كنا نحبه كثيراً فإننا لا نتفق معه أبداً في قسوته الشديدة على عبد الوهاب، ولم يمنعه صاحب المجد والفضل «أحمد حسن الزيات» مالك الرسالة ومؤسسها ومحررها من التعبير عن أفكاره وتصوراته، وبعيداً عن القليل من النقد اللاذع كان عبد الوهاب معشوق الكثيرين من النخبة المصرية الرفيعة في زمن ما قبل 1952 وفي مقدمتهم الكاتب العظيم الحبيب «زكي مبارك» الذي قال عنه: «إن محمد عبد الوهاب هو الشاهد على أن مصر من بساتين الشعر والخيال»، كما يروي في تحفته الأدبية «ليلى المريضة في العراق» 1938 الكثير عن لقاءات جمعته مع عبد الوهاب في القاهرة وفي منزله بمنطقة العباسية وكذلك في باريس وبحيرة أنجان وليون وبغداد ودمشق «التي لم تكن تتحدث إلا عن قدوم الموسيقار عبد الوهاب» وعن ذلك اللقاء في دمشق يقول زكي مبارك: «عانقتُ عبد الوهاب حين لاقيته عناقاً ضجَّ له من رآه من صبايا دمشق، فالتفتَ إليهن وقال نحن عشاق»، وتأكيداً على كلام عبد الوهاب يقول زكي مبارك: نعم، عشاق، عشاق، عشاق، وهل في الدنيا عشق أنضر وأروع من أنس الأرواح بالأرواح؟ وأي قلب لا يتشرف بأن يخفق شوقاً إلى محمد عبد الوهاب؟

كاتبة مصرية

قد يعجبك ايضا