ما تأثير الحسابات الداخلية التركية على سياسة اردوغان تجاه التطورات في إدلب؟
وهج 24 : يواجه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، وحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، اختباراً كبيراً يتعلق بالآثار المترتبة على التطورات الأخيرة في سوريا وملف محافظة إدلب على الداخل التركي سياسياً وأمنياً واقتصادياً وحتى اجتماعياً، في ظل المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد.
وعلى مدار السنوات الماضية، كانت الأزمة السورية عاملاً مؤثراً بدرجة كبيرة في السياسة الداخلية التركية، وجرى تسخيرها من قبل كافة الأحزاب السياسية في الانتخابات المختلفة التي شهدتها البلاد، ما أدى إلى زيارة أصوات أحزاب على حساب أخرى، حيث كانت ورقة مهمة في الاتهامات المتبادلة بين الحكومة والمعارضة.
ومنذ بداية الأزمة السورية، وصل إلى تركيا قرابة 4 مليون لاجئ سوري، وقام الجيش التركي بتنفيذ ثلاث عمليات عسكرية واسعة داخل الأراضي السورية قتل وأصيب بها مئات الجنود الأتراك، كما قتل وأصيب مئات المدنيين نتيجة الهجمات الإرهابية التي شهدتها البلاد والهجمات الصاروخية على البلدات الحدودية، وما رافق ذلك من تأثيرات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية على الداخل التركي.
وفي ظل الهجوم الروسي السوري الواسع على محافظة إدلب الحدودية مع تركيا، ونزوح قرابة مليون مدني سوري إلى الحدود مع تركيا، والخشية من نزوح قرابة مليونين آخرين نحو الحدود التي ستكون تركيا مضطرة لفتحها في حال استمرار الهجوم، واحتمالية الصدام الواسع مع النظام وروسيا وحتى المليشيات الإيرانية، وسقوط قتلى وجرحى من الجيش التركي، والتبعات الاقتصادية، يتوقع أن تنعكس نتيجة هذه التطورات بدرجة غير مسبوقة على الأحزاب التركية، لا سيما «العدالة والتنمية» الحاكم، وشعبية اردوغان بشكل خاص.
وتتهم المعارضة التركية الحكومة باتباع سياسات خاطئة في سوريا منذ بداية الأزمة، والزج بالجيش التركي في الأزمة بشكل غير مبرر، والمسؤولية عن الآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية لملف اللاجئين، وهو ما تنفيه الحكومة، وتقول إنها تعمل على إنهاء الأزمة ومواجهة خطر التنظيمات الإرهابية وتهيئة الأوضاع السياسية والأمنية في سوريا لإعادة اللاجئين وتأمين الحدود.
ومنذ أسابيع، تعمل تركيا من أجل وقف هجوم النظام على إدلب، وعقب فشل المساعي الدبلوماسية، ناورت عسكرياً بالدفع بمزيد من القوات لتعزيز نقاط المراقبة في إدلب، وعقب مقتل ثمانية جنود والدخول في اشتباك غير مسبوق مع النظام السوري، واقتراب الهجوم من وسط إدلب والحدود، دفعت بمئات الدبابات والعربات العسكرية وآلاف الجنود إلى إدلب في تحضير لخطوة عسكرية لم تتضح معالمها النهائية بعد، لكنها جاءت عقب تهديد اردوغان بإمكانية تنفيذ عملية عسكرية ضد النظام السوري الذي أمهله حتى نهاية الشهر الجاري لسحب قواته من حدود نقاط المراقبة التركية.
لكن هذه الخطوة تحمل في طياتها الكثير من المخاطرة، فبينما يسعى من خلالها اردوغان لرد الاعتبار إلى قوة وهيبة الجيش التركي عقب مقتل ثمانية من جنوده بنيران النظام السوري في ظل انتقادات داخلية واتهامات بـ«ضعف الرد على هجوم النظام»، ومنع حدوث أزمة لجوء جديدة ستكون نتائجها كارثية على الداخل التركي وسيدفع ثمنها الحزب الحاكم، يتجنب الرئيس التركي الدخول في مواجهة عسكرية واسعة ستحمل في طياتها أيضاً نتائج خطيرة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.
فسيناريو دخول مليون إلى ثلاثة ملايين لاجئ جديد إلى الأراضي التركية يعتبر الأخطر بالنسبة لأردوغان؛ لما يحمله ذلك من مخاطر تتعلق بإمكانية دخول إرهابيين وعودة الهجمات في عمق الأراضي التركية، والأعباء الاقتصادية التي تأتي في ظل صعوبات حقيقية يمر بها الاقتصاد التركي، وارتفاع كبير في نسب التضخم ومعدلات البطالة، والآثار الاجتماعية، وانعكاس ذلك كله على توجهات الناخبين الأتراك.
كما أن سيناريو المواجهة العسكرية لمنع حدوث موجة لجوء جديدة، يحمل في طياته مخاطر وقوع قتلى وجرحى من الجيش التركي والتكلفة الاقتصادية لأي عملية عسكرية جديدة، والأهم خطر تدهور العلاقات مع روسيا، وعودة إلى شبح الفترة التي أعقبت إسقاط الطائرة الروسية عام 2015، والمجازفة بمصير 30 مليار دولار حجم التبادل التجاري بين أنقرة وموسكو، وقرابة 6 مليون سائح روسي يزورون تركيا سنوياً، والعديد من المشاريع الاستراتيجية، والأثر الكارثي لذلك كله على الاقتصاد التركي.
هذه السيناريوهات المختلفة حاضرة بقوة في حسابات اردوغان اتجاه القرارات المتوقعة اتجاه التطورات في إدلب، كونها ستكون مؤثرة بشكل حاسم هذه المرة على توجهات الناخبين الأتراك في الانتخابات المقبلة المقررة عام 2023، وربما قبل ذلك بكثير، في ظل تلويح العديد من الأحزاب التركية بضرورة إجراء انتخابات مبكرة في ظل التحديات المختلفة التي تمر بها البلاد.
المصدر : القدس العربي