كان للحجر الصحي الذي فرصه فايروس كورونا على أكثر من دولة و منها الأردن حيث أقيم تأثيرا يشبه الإنقلاب في مختلف العادات اليومية، فتوقفت معظم الأعمال و أصبح لدى الشخص المحجور عليه متسعا كبيرا من الوقت.
فأقبلت على أمرين كنت انتظرهما منذ زمن – بشهية مفتوحة – أولهما هو الاستماع الى لبعض برامج الراديو المسجلة والمحملة على اليوتيوب.
و الثاني هو الخوض في بعض الروايات التي اقتنيتها و احتلت جزءا من رفوف مكتبتي المنزلية دون أن يتسع وقتي لمطالعتها و كان على رأسها رواية في حضرة ابراهيم للكاتب الصحفي و الروائي عامر طهبوب و التي تتحدث روائيا عن مدينة الخليل الفلسطينية العريقة.
لشخص مثلي من جيل ما قبل القنوات الفضائية كان للراديو اهمية كبيرة في بلورة الوعي الثقافي لدي و بخاصة اذاعة القاهرةحيث كنت في صباي أتصيد موجتها للاستماع للطرب العربي الأصيل و الاستمتاع بالبرامج الثقافية مثل المسابقات التي كان يقدمها المذيع علي فايق زغلول في مسرح المنوعات و كنت اختم السهرة بالصوت الرخيم للشاعر و الكاتب الأكاديمي الكبير الدكتور فاروق شوشة في برنامج لغتنا الجميلة و كل تلك البرامج الاذاعية محفوظة و محملة على اليوتيوب و هذا من حسنات التكنولوجيا الحديثة و وسائل التواصل.
حبي لصوت الراحل فاروق شوشة جعلني منذ بداية الحظر أبدأ ببرنامج زيارة لمكتبة فلان الذي استضاف الشاعر و الكاتب فاروق شوشة الذي تحدث عن بداية عشقه للأدب في العام 1947عندما كانت قريته معزولة بالحجر الصحي و كان ممنوعا عليه اللعب مع الصبية المجاورين و بقي حبيس المنزل، فلم يجد امامه سبيلا للتسلية و المؤانسة سوى أن يسطو بالقراءة على مكتبة والده الزاخرة الذي كان مدرسا مرموقا، و هنا تحول وباء الكوليرا إلى فرصة للثقافة و التعلق بالقراءة فاخبرنا الشاعر الكبير ذو الصوت الرخيم كيف تعلق في تلك العزلة بدواوين امير الشعراء احمد شوقي و حافظ ابراهيم و تولدت في داخله بذرة الشاعر المرهف و الناقد الادبي الفذ.
هذا هو شأننا اليوم في ظل عزلة الحجر فبإمكاننا تحويل الجائحة الى سانحة بل و فرصة ذهبية نطل بها على القراءة و الثقافة و المطالعة لنا و لأطفالنا.
بإمكاننا استغلال وسائل التواصل لتحميل الكتب التي نريد و الاجابة عن أسئلة طالما شغلت عقولنا، ابعد من ذلك بإمكان المراكز الثقافية التي توقفت عن العمل أن تعقد ندواتها عبر الفيسبوك و أن تتم المشاركة و المداخلة كذلك عن بعد دون اجتماع فيزيائي بين الحاضرين و المهتمين.
قديما قالت العرب:
أعز مكان في الدنا سرج سابح
و خير جليس في الزمان كتاب
كما قالت: أمة تقرأ لا تجوع و لا تستبعد.
لقد اخذتني رواية في حضرة ابراهيم الى عوالم المدن العريقة مثل الخليل أو خليل الرحمن مرقد الأنبياء و مهبط القداسة و عادات اهلها و حكاياتهم و مكابدتهم للمحتل البغيض من قتل و اعتقال و استيطان، لقد خلد الكاتب عامر طهبوب معالم تلك المدينة قبل الاحتلال و رصد بعين الكاتب المحب لمدينته التغيرات الديموغرافية التي احدثها المحتل في المدينة من خلال المستوطنين الذين لا يشبهون تلك المدينة و الطارؤون على المكان و الزمان.
اخيرا لقد وضع هذا الفايروس العالم كله في زورق واحد اذا تعاون راكبوه نجو جميعا و اذا خرق بعضهم جداره غرق الجميع.
فلا سبيل لأي دولة أن تنجح على انفراد.
أقل ما يجب على التضامن الدولي ضد كورونا أن يحققه هو الرفع الكلي للعقوبات المفروضة على دول تعاني من الكورونا لأن فشل تلك الدول في مكافحة الجائحة لن يقف عند حدود تلك الدول بل سيمتد لينتشر الى كل الوجود البشري.
آن الاوان للإنسانية ان تراجع نفسها للتخفيف من غلواء الرأسمالية المتوحشة.
لأن تلك الرأسمالية المتجردة من القيم هي التي اوصلت الانسانية الى هاوية السقوط و هي التي جعلت شمس القطب الواحد المتفرد في غروب لصالح شمس النظام الدولي الجديد الأكثر انسانية و المتعدد الأقطاب ذو التوزيع العادل للثروة و البعيد عن احتكار الثروة و المعرفة.