عصر من الغناء.. مذكرات على هامش ذكرى وفاة موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب
Share
سامر أبو شندي ..
كان لتاريخ الرابع من مايو من العام 1991 علامة بارزة في منحى حياتي ، فهو التاريخ الذي انتقل به الموسيقار عبدالوهاب إلى الرفيق الأعلى، وطويت صفحة من الفن والطرب العربي تقترب من القرن، وهو كذلك بداية معرفتي بهذه القامة الفنية العملاقة حين تزامن هذا التاريخ مع بث التلفزيون العربي السوري لبرنامج النهر الخالد الذي وثق مسيرة حياة الراحل الكبير.
لن أتناول حياة موسيقار الأجيال بالسرد الملل ، لكن سأتناولها من وحي ذاكرة أحبت الحانه و تبلور وعيها الثقافي على ألحانه و صوته و كذلك الأغاني التي لحنها لكبار مطربي عصره.
بالإضافة الى برنامج النهر الخالد الذي حضرته مرات و مرات، هناك برنامج آخر اسمه عبد الوهاب مرآة عصره من إعداد و تقديم الدكتور سعدالله آغا القلعة وزير الثقافة في سوريا في ما بعد ، وكذلك برنامج الموسيقار و أنا من اعداد و تقديم المذيع و الاعلامي المخضرم مفيد فوزي .
عصر من الغناء هو العنوان الذي يمكن إطلاقه على مسيرة حياة عبدالوهاب منذ ان كان صبيًا يرتدي جلابية و يغني بين الفقرات في تياترو فوزي الجزايرلي مرورًا بالعام 1918 الذي جمعه و هو شاب مع توفيق الحكيم رائد المسرح الذهني الذي افتتن بالفنون منذ نعومة أظفاره فترك المحاماة و مهنته كوكيل نيابة و دخل الثقافة و الكتابة ، كانت مسيرة الراحل متزامة مع مسيرة كوكب الشرق أم كلثوم التي هاجرت من قريتها الى القاهرة في العام 1923 و هو نفس التاريخ الذي صدرت به الأسطوانة الصوتية الأولى لمحمد عبد الوهاب .
كان على صغر سنه جليسًا لكبار الأدباء و الشعراء و على رأسهم أمير الشعراء أحمد شوقي الذي عامله كأحد أبنائه و الذي رافقه في رحلاته الى أوروبا فتعرف على المسرح الغنائي الحديث ، فرجع عبد الوهاب حاملًا الغرب الى الشرق فكان رمزًا للتجديد في الأغنية العربية و استخدم أدوات عصره فكان فيلمه الأول الوردة البيضاء في العام 1932 علامةً بارزةً في تاريخ السينما المصرية كونه من أوائل الافلام الناطقة و أول فلم غنائي .
المحطة الاخرى على طريق الذكريات هي حضور الكاتب المسرحي الكبير سعد الدين وهبه الى العاصمة الأردنية عمان في عام 1995 و إلقائه كلمة في رابطة الكتاب الاردنيين التي كانت تحتل مبنًى قديمًا في أحد شوارع حي اللويبدة العريق الذي يشبه القدس في حجارة مبانيه المعتقه ، كان معضم الحاضرين من كتاب و المثقفين منشغلين بالحديث حول مقاومة التطبيع التي كان سعد الدين وهبه من روادها و كان و كان مقدمة في المحاضرة رئيس رابطة الكتاب يشترك معه في ذلك و هو الكاتب اليساري المعروف فخري قعوار صاحب الصوت الجريء و المؤثر الذي تعرفت عليه عبر أثير الإذاعة الأردنية في أحد لقاءاته و لاحقا ًتابعت له مسلسلًا أردنيًا شهيرًا إسمه (دار أبو وراد) يتحدث فيه عن رجل الشارع الاردني .
لم يعلق في ذهني من حضور ذلك اللقاء سوى شيخ كبير يعتمر كوفيةً إردنية و هو المؤرخ الكبير روكس بن زائد العزيزي الذي يشترك مع فخري قعوار بدراسته بالقدس و مع عبد الوهاب بأنه من مجايليه فهو من مواليد عام 1900 .
بعد أخذ و رد بين الحاضرين و المحاضر سعد الدين وهبة جاء سؤالي له و و مداخلتي و أنا اصغر الحضور حيث كنت على مقاعد الدراسة الثانوية و طرحت سؤالي عن قصة برنامج النهر الخالد فسر بهذا السؤال الذي نقله من الحديث السياسي الى رحاب الفن فانتقل إلى الحديث عن تعاونة مبكرًا مع عبد الوهاب منذ العام 1969 و هو عام إنتاج فيلم أبي فوق الشجرة الذي كتب سعد الدين وهبة السيناريو و الحوار فيه ، عن قصة إحسان عبد القدوس و الذي لحن فيه محمد عبدالوهاب “أغنية يا خلي القلب” لبطل الفيلم العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ و تحدث سعد الدين وهبة عن كيف جلوسه مع عبد الوهاب ليختار مكان ظهور الاغنية بما يخدم سيناريو الفيلم ، و كيف أن عبد الوهاب كان رجل إدارة بالاضافة الى كونه فنانًا و كان دقيق المواعيد و يتابع ادق التفاصيل في ادارته لشركة صوت الفن التي كان يشارك فيها عبد الحليم حافظ، و منذ ذلك الوقت كان يسعى إلى برنامج يوثق لحياته لكن برنامج النهر الخالد لم ير النور إلى في العام 1985 .
في كافة أحاديث عبد الوهاب المتلفزة كان دمثًا خفيف الظل و متواضعًا ، فلم يخف إعجابه بعبد الحليم منذ اللقاء الاول حيث لفت نظره إيقاع الشباب و الحيوية الذي تفيض به تصرفاته و غناؤه ، و عند سؤاله عن بليغ حمدي و هو ملحن منافس له قال: إن بليغ حمدي تولد لديه كل يوم جملة لحنية جديدة، بينما تولد لي جملة لحنية كل خمسين عام.
أما أمام المذيع و الإعلامي خفيف الظل مفيد فوزي فيقول عبد الوهاب بكل صراحة بأنه يحب العزلة و الرجوع للمنزل للقاء محمد عبد الوهاب. فيردف مفيد فوزي ضاحكاً: نرجسية مشروعة، فلا ينكر عبد الوهاب ذلك.
عبد الوهاب ملحن و فنان مخضرم ففي أنشودة الفن التي لحنها وغناها في الأربعينيات يقول مادحاً الملك الفاروق الأول( الفن مين أنصفه غير الفاروق و رعاه) و كان هذا المقطع محذوفاً لفترة طويلة من الزمن.
و عبد الوهاب كذلك هو مطرب العهد الجديد وصاحب أغنية (ناصر كلنا بنحبك) و هو المطرب الذي ألهب المشاعر في حرب الإستنزاف و أغنية (النهر الخالد) في نظري هي أفضل من جسدت النيل الذهبي لحناً يشبه انعكاس شمس الأصيل على مياهه الرائقة.
وهو أبو الحداثة الغنائية فألحانه تحمل إقتباسات من مقطوعات أوروبية فضلاً عن استخدامه آلات غربية طوال مسيرته و هو ما أعطى لأغنياته الملحنة لكوكب الشرق أم كلثوم نكهة مختلفة عن بقية الملحنين بداية من أغنية إنت عمري (لقاء السحاب) في العام 1964 بحسب تعبير النقاد التي لحنها بناءً على توحيهات من القائد الخالد جمال عبد الناصر، مروراً بألحانه ( أغداً ألقاك) و (دارت الأيام) و انتهاءً بأغنية (ليلة حب) عام 1973، لقد خلدت تلك الألحان و لا عنى عنها لأي باحث في تاريخ الطرب الشرقي، و هي لا تزال تتردد إلى يومنا و ترقص على أنغامها أشهر الراقصات الشرقيات و عزفتها كبريات الفرق الموسيقية العربية و كذلك الأجنبية الأوركيسترالية.
تجدر الإشارة لحصول عبد الوهاب على الدكتوراة الفخرية في العام 1975
أما أغنية (على باب مصر) الوطنية التي شدت فيها كوكب الشرق فلها حكاية و خلود آخر، فقد كانت من ضمن الأغاني التي تم إعادة توزيعها بواسطة الملحن و الموزع الشاب كريم عبد الوهاب في حفل إفتتاح المسار الجديد لقناة السويس في العام 2014.
و من مظاهر الحداثة للموسيقار الراحل أغنية ( أسألك الرحيل) التي لحنها للمطربة نجاة الصغيرة وهي أول لقاء بين عبد الوهاب و الشاعر نزار قباني و بتوزيع عصري عبقري من قائد الفرقة الماسية أحمد فؤاد حسن.
و تتوالى محطات الموسيقار عبد الوهاب على صفحة حياتي ، فيفتتح في عمان مقهى عبد الوهاب في منطقة اللويبدة أيضاً ، حيث كنت اجلس و استمتع بألحانه و أغانيه و أكتب ما يفيض به القلم في هذا الجو العابق بصور الفنان الكبير التي تعلو الجدران ، لكنها المره الأولى التي أتجرأ على تناول حياة هذه القامة الكبيرة ذات المسيرة المديدة .
و بعيداً عن الفن فإن عبدالوهاب كذلك مدرسة،فمنه يمكن أن نتعلم الحفاظ على الصحة خصوصاً في هذا العصر الكوروني، و منه نتعلم الحفاظ على الوقت و مواكبة العصر ، و أهمية الثقافة و القراءة .
و أبقى في جو حي اللويبدة العابق بالثقافة و أعود إلى رابطة الكتاب الأردنيين التي انتقل مقرها إلى مبنى آخر في نفس الحي حيث أدخلها في العام 2016، بعد أن قرأت في صحيفة الرأي عن وجود دورة لكتابة السيناريو الإذاعي و التلفزيوني و السينمائي فيرفض الموظف المسؤول التحاقي بالدورة بحجة أنها فقط لأعضاء الرابطة فأطلب منه أن أكتب استدعاءً لرئيس الرابطة آنذاك الدكتور زياد أبو لبن، و أشرح فيه حاجتي الماسة لتعلم كتابة السيناريو لأخذ به روايتي الأولى المسماة “طواحين الهوا”.
و لأنني من الداعين إلى تجنيس السيناريو و جعله صنفاً أدبياً إلى جانب القصة و الرواية و الشعر خلافاً لما يذهب إليه بعض الكتاب من أن السيناريو لا يعدو عن كونه مخططاً للبناء و ليس البناء ذاته ، و عرجت في ذلك الإستدعاء على علاقتي بالرابطة التي تمتد إلى ما يزيد عن عشرين عاماً أي من العام 1995 حيث حضرت إلى الرابطة في مقرها الأول في جبل اللويبدة لحضور لقاء سعد الدين وهبة و أنني بصدد كتابة سيناريو عن حياة الموسيقار محمد عبد الوهاب على غرار مسلسل أم كلثوم الذي أخرجته إنعام محمد علي.
وفي ظهر اليوم التالي تفاجأت بهاتف من الرابطة بأن إستدعائي قد رجع مذيلاً بموافقة رئيس الرابطة على الإلتحاق بالدورة و أردفت الموظفة قائلة لي: لقد قال الرئيس أن نسجلك أول إسم بهذه الدورة.
و من المقارفات المضحكة أن فناناً شعبياً كان يرغب بالعمل و الغناء في القاهرة ، فذهب إلى قريبه الذي كان يعمل فراشاً في مكتب محمد عبدالوهاب فطلب ذلك المطرب من قريبه أن يريه مكتب عبدالوهاب ففتح له المكتب و قام المطرب بالجلوس على مكتب الموسيقار و تحسس تمثال بيتهوفن، ثم ألقى نظرة على سلة المهملات فوجد كلمات أغنية فأخذها بعد الإستئذان من قريبه ، و قام بتلحينها و تقدم بها إلى إمتحان إذاعة القاهرة التي كانت محاصرة بالدبابات صبيحة ثورة 23 يوليو 1952 و نجح ، و يعود المطرب الشعبي بالتذكير بهذه المفارقة المضحكة في كل مناسبة و بكل صراحة، و من المفارقات المضحكة أيضاً أن عبد الحليم حافظ تقدم معه إلى نفس الإمتحان لكنه رسب و نجح في الإمتحان التالي.
عند وفاته أقيمت له جنازة عسكرية حيث كان يحمل رتبة لواء فخرية في القوات المسلحة المصرية.