صومعة التفكير أم حكمة الجدة؟

د. منى النحلاوي  …..

 

بين “ليلى والذئب” وعصر الذكاء الاصطناعي

الإنسان ليس معادلة ولا رقمًا… بل قصة تُروى.

قديمًا، كنت أجلس إلى جوار جدتي…

أسألها عن أشياء كثيرة، بعضها بسيط، وبعضها أكبر من عمري.

لم تكن تجيب فورًا… كانت تصمت لوهلة، وكأنها تبحث في داخلها،

ثم تمنحني إجابة تحمل أكثر من مجرد كلمات… تحمل تجربة.

لم تكن تلك اللحظات مجرد إجابات… بل كانت بداية حكاية.

في زمنٍ كانت فيه الحكايات تُروى على ضوء المساء، لم تكن الجدة مجرد راوية قصص، بل كانت مخزنًا حيًا للحكمة والتجربة. كانت “ليلى والذئب” أكثر من قصة؛ كانت درسًا في الحذر، وفهمًا للطبيعة البشرية، وصوتًا دافئًا يربط الأجيال ببعضها.

واليوم، تغيّر المشهد.

في ظل التدفق الهائل للمعلومات، لم يعد السؤال يُوجَّه إلى الجدة، بل إلى شاشة صغيرة نحملها في جيوبنا. تشير تقارير صادرة عن Pew Research Center إلى أن الغالبية الساحقة من جيل زد يمتلك هواتف ذكية، ويعتمد عليها بشكل يومي كمصدر رئيسي وسريع للمعلومات.

هذا التحول لم يغيّر فقط طريقة الوصول إلى المعرفة، بل أعاد تشكيل طريقة التفكير نفسها.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ “صومعة التفكير”: حيث يلجأ الفرد إلى إجابات فورية، مختصرة، وخالية من السياق الإنساني العميق، بعيدًا عن الحوار والتجربة والتراكم المعرفي الذي كان يتشكل عبر العلاقات البشرية.

ورغم ما يوفره الذكاء الاصطناعي من سرعة وكفاءة، إلا أنه يفتقر إلى التجربة الإنسانية المباشرة. فهو قادر على تحليل البيانات، لكنه لا “يعيشها”، ولا يختبر تناقضاتها كما يفعل الإنسان. وهنا يكمن الفارق بين المعلومة والحكمة.

تشير دراسات في علم النفس إلى مفهوم يُعرف بـ Cognitive Offloading، أي اعتماد الإنسان على الأجهزة لتخزين المعلومات بدلًا من الذاكرة. هذا لا يعني بالضرورة تراجع الذكاء، لكنه يعكس تحولًا في طبيعة المهارات: من الحفظ والتأمل إلى البحث السريع والاستجابة الفورية.

في المقابل، تُظهر تقارير من مؤسسات مثل Gallup وMcKinsey & Company أن نسبة ملحوظة من الشباب تبدي قلقًا من تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على التعلم والعلاقات الإنسانية، مع تزايد الاعتماد على التواصل الرقمي بدل التفاعل المباشر.

وهنا لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، بل في غياب التوازن.

فعندما تُستبدل الجلسات العائلية بالإجابات السريعة، نفقد شيئًا لا يمكن تعويضه: “عاطفة الجدة”… تلك المساحة التي تُنقل فيها القيم، وتُصاغ فيها الهوية، وتُفهم فيها الحياة من خلال التجربة، لا الخوارزمية.

إن الاعتماد المفرط على الآلة قد يدفع نحو قرارات سريعة، لكنها أحيانًا تفتقر إلى العمق الإنساني، لأن الإنسان ليس معادلة، بل قصة معقدة من المشاعر والسياقات.

لذلك، لا يبدو الحل في رفض التكنولوجيا، ولا في الارتماء الكامل في أحضانها، بل في إعادة التوازن:

أن نستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة… لا كبديل،

وأن نُبقي للحكاية مكانًا، وللجدة صوتًا، وللإنسان حضوره.

لأننا، ببساطة، لا نتعلم من الإجابات فقط…

بل من الحكايات التي تُروى بين القلوب.

وفى الختام،،

فمن سيروي الحكاية بعد هذا الجيل… أم أننا سنكتفي بإجابات سريعة بلا روح؟

المعرفة لا تُختصر في إجابة… بل تكتمل بحكاية تُروى، وقلبٍ يُنصت.

 

باحثة فى القضايا الاجتماعية

د. منى النحلاوي

الكاتبة أردنية

تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا