فادي السمردلي يكتب: الأردن في مواجهة اضطرابات المضائق كيف يحمي اقتصاده؟

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

 

لم تعد المضائق المائية مجرد ممرات بحرية تمر عبرها السفن، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى نقاط حساسة تتحكم في إيقاع التجارة العالمية واستقرار الأسواق فالعالم اليوم يعتمد بشكل كبير على النقل البحري لنقل السلع والطاقة والمواد الخام، ما جعل أي اضطراب في هذه الممرات ينعكس بسرعة على الدول المستوردة، خاصة تلك التي تعتمد على منفذ بحري واحد وفي هذا السياق، يبرز الأردن بوصفه دولة تتأثر مباشرة بتقلبات سلاسل الإمداد العالمية، نظرًا لاعتماده على التجارة البحرية لتلبية معظم احتياجاته الاقتصادية.

يعتمد الاقتصاد الأردني على ميناء العقبة باعتباره المنفذ البحري الرئيسي للبلاد، وهو ما يمنحه أهمية استراتيجية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه يضع الاقتصاد أمام تحديات إضافية عند حدوث أي اضطراب في حركة الشحن البحري فعندما تتعرض بعض المضائق المائية لمخاطر أمنية أو توترات سياسية، تضطر شركات الشحن إلى تغيير مساراتها أو اتخاذ طرق أطول، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة مدة الرحلة وارتفاع تكاليف الوقود والتأمين ومع مرور الوقت، تنتقل هذه التكاليف إلى الأسواق المحلية، فتظهر في شكل ارتفاع أسعار السلع أو تأخر وصولها.

ولا يقتصر تأثير اضطرابات المضائق على الأسعار فقط، بل يمتد ليشمل جوانب أوسع من النشاط الاقتصادي. فالتأخير في وصول المواد الخام قد يعرقل عمل المصانع ويؤثر في قدرتها على الإنتاج، كما أن ارتفاع تكاليف النقل قد يقلل من تنافسية المنتجات المحلية في الأسواق الخارجية إضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع أسعار السلع الأساسية يضع ضغطًا على دخل الأسر ويزيد من الأعباء المعيشية، مما يجعل هذه القضية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، وليس مجرد قضية اقتصادية نظرية.

ومن الناحية المالية، تشكل زيادة تكاليف الشحن تحديًا للموازنة العامة، خاصة إذا اضطرت الدولة إلى دعم بعض السلع الأساسية أو تحمل جزء من الارتفاع في الأسعار لحماية المستهلكين كما أن التقلبات في أسعار الطاقة نتيجة اضطرابات الممرات البحرية قد تؤثر في خطط التنمية والمشروعات الاقتصادية، لأن تكلفة الطاقة تعد عنصرًا أساسيًا في معظم الأنشطة الإنتاجية والخدمية.

ورغم هذه التحديات، فإن الأردن يمتلك مجموعة من الخيارات التي يمكن أن تعزز قدرته على مواجهة الأزمات المرتبطة بسلاسل الإمداد ومن أهم هذه الخيارات تنويع مصادر الاستيراد، بحيث لا يعتمد الاقتصاد على دولة واحدة أو مسار واحد في توفير احتياجاته. كما أن تطوير البنية التحتية للنقل والتخزين يمثل خطوة مهمة في تعزيز كفاءة سلاسل الإمداد وتقليل الخسائر الناتجة عن التأخير أو الازدحام في الموانئ.

ومن الإجراءات التي أثبتت أهميتها أيضًا بناء مخزون استراتيجي من السلع الأساسية، مثل الحبوب والوقود والأدوية، بحيث تستطيع الدولة تلبية احتياجات السوق لفترة معينة في حال حدوث اضطراب مفاجئ في حركة التجارة كذلك فإن الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة، مثل أنظمة تتبع الشحنات وإدارة المخزون، يساعد على تحسين التخطيط واتخاذ قرارات سريعة عند ظهور أي أزمة.

ولا يمكن إغفال دور التعاون الإقليمي والدولي في مواجهة هذه التحديات، فالتنسيق بين الدول في مجالات النقل والتجارة وتبادل المعلومات يساهم في تقليل المخاطر وتعزيز الاستقرار الاقتصادي كما أن المشاركة في مشروعات لوجستية مشتركة قد توفر بدائل إضافية للنقل في حال تعطل بعض الممرات البحرية.

في النهاية، تؤكد تجربة السنوات الأخيرة أن الاقتصاد الحديث لم يعد معزولًا عن الأحداث العالمية، وأن أي اضطراب في ممر بحري بعيد قد يصل أثره إلى الأسواق المحلية خلال وقت قصير. لذلك فإن حماية الاقتصاد الأردني تتطلب رؤية استباقية تقوم على التخطيط والتنويع وتعزيز المرونة، بحيث يصبح الاقتصاد قادرًا على التكيف مع التغيرات المفاجئة والاستمرار في تلبية احتياجات المجتمع مهما كانت الظروف.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا