مروان ياسين الدليمي: أوراق سينمائية: كيف تصنع فلما في زمن الاحتلال

مروان ياسين الدليمي

لم يعد بالإمكان أن نحمل أجهزة التصوير بحرية تامة ونحن نمشي في شوارع المدينة، لأن الرصاصات ستُعجِّل بموتنا قبل أن نملك الفرصة للكشف عن هويتنا السينمائية ، وتبرئة أنفسنا بعدم انتمائنا للوسط الصحفي أو الإعلامي . !
فالمدينة حفلت بحكايا كثيرة عن المصورين،وهم يقتلون من قبل كل الأطراف المتصارعة،دونما استثناء .
هكذا بدأنا نخبئُ كاميرة التصوير بطرق غريبة ومضحكة حتى نقطع الشك بهويتنا .
فماذا لو انتتبه أحدٌ ما ؟
ولأنني لم أعد أشعر بالأمان،اضطررت إلى تغيير كل المواقع الخارجية (اللوكيشنات)،فتحوّلت الساحة الخلفية لمعهد الفنون الجميلة بديلاً عن موقع غابات الموصل.. وممرات المعهد بدلاً عن الشوارع .. والكافيتريا إلى أسواق لبيع الملابس المستعملة..
بلونها المغموس في الثلج تقترب مدينة الموصل من غواية التوحش،طالما عجلات الهَمَر الأمريكية تُطبق على صدرٍها،وتمرُّ على استدارة جسدها ومنحنياته.
إصراري على عبور النقاط الساخنة أنا وفريق العمل السينمائي لم يكن بفعل التحدي إنما استسلاماً لهيمنة القدر .
بدت رحلتنا روتينية ونحن نمرُّ من بين أنياب الموت،للوصول إلى أمكنة التصوير التي حاولنا إختيارها وفقاً لمقتضيات الصراع العبثي المتدّلي فوق رؤوسنا.
في اليوم الأول للتصوير حاولت أن أسحق هواجس الخوف وأنهض من رماد الهلع وأنا أهم بالصعود إلى سيارة الأجرة لتقلني إلى منطقة الجامع النوري الكبير،وما بين انطلاق السيارة من حي اليرموك واجتيازي لشارع بغداد نزولاً عند منعطف بدالة أبي تمام،انفلتت أشباح الموت لتحاصرني ، قد أكون الآن أو بعد لحظات لقمة شهية لإحدى السيارات المفخخة أو لإحدى العبوات الناسفة المزروعة على جانبي الطريق .
رحلتي هذه كانت مسافة طويلة بلا حلول،يزيد من جراحاتها عقم الحوارات الهاربة من أدمغة القرويين المحشورين داخل سيارة الاجرة.
– كُنْ حذراً
بهذه الجملة كانت توصيني زوجتي كل يوم،وكأني أتبادل اللامبالاة مع النار المتطايرة في الشوارع .فأجيبها:
– لا جدوى من الحذر
أتحسس المقعد الخلفي للسيارة الشوفرليت المنتجة سنة 1952 والمُغلّفْ ببطانية عسكرية متهرئة .
يبدو أننا ما زلنا نقف في فراغ العزلة،رغم تكورنا في ليل القرن الواحد والعشرين .
يسترسل الركاب في عجين الأحاديث المطوّقة بالمرارة دونما شعور بالقرف من دنس هذا التكرار .
فجاءة تندلع زخّة من رصاص لتسود الفوضى سماء المدينة المرتعشة تحت خرائط المسلحين وهم يصنعون أطلسها الجديد .
وصلنا إلى سطح الدار العتيقة المجاورة لمنارة الحدباء بعد أن تسلقنا درجاً حجرياً ضيقاً لا يتسع إلا لشخصٍ واحد .
كانت المدينة تبدو من فوق ذاك السطح معافاة من الهيجان،وكأنها كانت تجني ثمار جمالها .
غرقنا في متعتنا ونحن نحدد زوايا التصوير للمشهد الأول:
*( لقطة متوسطة ) ، صبي يؤرجح عصا خشبية مربوطاً في نهايتها منديلاً أحمر اللون .
*(لقة عامة ) ، طيور تحلق في السماء .
إلاّ أنَّ صوت الطائرات القادم من بعيد أفسد علينا نشوة احتفالنا فهرعنا مسرعين نبحث عن أمكنة تلّوح فيها الطمأنينة بعيداً عن مرمى الطائرات الأمريكية .
إستوطن الخوف مدير التصوير مُحمد البَان ( إغتاله الارهابيون عام 2007 ) فأنزوى تحت الدرج الحجري مخبأّ كامرته بقمصلته خشية أن يراها الطيارون فنصبح بذلك هدفاً لهم بعد أن كثر عدد القتلى من المصورين بفعل النيران الأمريكية .
إلا أن إستيائي من هذا الظرف المعرقل غادرني تماماً حينما رأيت الصبي الذي يشاركنا في الفلم ما زال يرفع راية اللامبالاة ويجري بكل براءته على سطح الدار منشغلاً بالطيور دونما اكتراث بالطائرات التي تحوم حولنا ، ومازال يطمأننا بعبارات يكررها بين لحظةٍ وأخرى :
لا تخافوا ، بعد دقائق ستغادر هذه الطائرات .
خاب رجاءنا ولم تشرق الشمس في اليوم الثاني للتصوير . أتشحت السماء بلون رمادي داكن ونحن تحت وطأة الإنتظار الطويل فوق سطح الدار . اقتربت عقارب الساعة لتشير إلى التاسعة صباحاً . لم تجد نفعاً كل استغاثاتنا .
أنتقلنا طائعين إلى موقع آخر في الجانب الأيسر من المدينة الذي لم يكن أقل هدوءاً من الجانب الأيمن .
كان المشهد يقتضي أن يحمل بطل الفلم ( محمد إسماعيل) بندقية صيد بينما هو يتجول فوق سطح الدار لإقتناص الطيور.كنا نصور ذلك المشهد في منطقة تسمى( حي الأمن) وهو من أخطر الأحياء في المدينة ،وذلك لوقوعه على الطريق الرئيسي الذي غالباً ما تستخدمه القوات الأمريكية وهي قادمة من المطار الذي هو نقطة إنطلاقها بإتجاه المدينة ، فكانت هذه مفاجأة أخرى لنا ، ولم يكن بالإمكان تأجيل التصوير إلى يوم آخر لأننا كنا ملتزمون بوقت محدد لإنهائه مع الشركة المنتجة للفلم ..وما أن حددنا زوايا التصوير،واستكملنا الإستعداد للبدء بالعمل حتى لاحت لنا الطائرات الأمريكية مرة أخرى . فما كان أمامنا إلا أن ننسحب مسرعين من على سطح الدار خشية أن يتوهم الطيارون بأننا مجموعة مسلحة تسعى للقيام بعمل إرهابي ضدهم .. وتكررت هذه اللعبة بيننا وبينهم أكثر من مرة واستغرقت أكثر من ثلاث ساعات ، لكننا استطعنا خلال الفترات القصيرة التي كانت تغيب فيها الطائرات بعيداً عنا أن ننجز المشاهد المتعلقة بذاك المكان.
لسنين طويلة وأنا أصرُّ على كتابة وتمزيق ما أكتبه من سيناريوهات مشددوا إلى منطق مجابهة المشهد المستهلك والسكون في أردية الدهشة والتغريب حتى تتفاقم التفاصيل في ومضات شفافة،.ولم أكن بعيداً في استجابتي هذه عن مفاجأت ( كودار ، وكوبولا ، ومحد خان ).
إن محنتنا في انتظارنا الطويل هذا ونحن في مواجهة أنفسنا خلف عدسة الكاميرا .
هكذا بقينا محتجزون لأكثر من ربع قرن في طوابير التهميش وكراديس الحرب بقصديّة متنُها العبث بوجودنا حتى نستحيل إلى مفاصل في السرفات .
في اليوم الثالث للتصوير استقبلنا المخرج المسرحي عصام سميح في شقته الصغيرة والتي أخترتها موقعاً رئيسياً لتصوير المشاهد الداخلية المتعلقة ببطل الفلم الخارج مرغماً من شهوته للحروب، وذلك لتوفر كل العناصر التي رسمتها على الورق في محتويات الشقة،ابتداءاً من الأثاث الأنيق النابض بالحداثة،وانتهاءً بهامش الحرية الواسع الذي منحنا إياه الفنان عصام طيلة فترة بقاءنا فيها،إلا أن إنقطاع التيار الكهربائي ألقى بضلاله علينا.فوقفنا عاجزين للحظات نبحث عن حلول للمشاهد الليلية التي كنا ننوي إنجازها طيلة النهار،إذ ليس بالإمكان أن نخطو بها إلى ساعات الليل لأن فرض حظر التجوال يبدأ من الساعة السادسة مساءاً وحتى الساعة الخامسة صباحاً .
هكذا ساد الصمت أرجاء الشقة.وانتفخت في ملامح الوجوه علامات الغضب ،كيف يمكننا الخروج من اطارات هذا الغبار باشتعالات تطلق النوارس فوق حطام السنين العجاف ؟ . .كيف يمكننا الخروج من زمن المراثي والرماد في مدننا المأهولة بالنشيج والأساطير الكاذبة ؟
أزحنا الستائر عن النوافذ قليلاً حتى ينفذ بصيصاً من الضوء،وبذلك استطعنا أن ننحي ساعات النهار لنحيل مكانها احساساً بحلول الليل.
لا شك أننا كنا نتصرف إعتماداً على ما تبقى لدينا من مشاكسات مقتضبة . خرجنا إلى الشارع المتعفن بالهمرات الأمريكية بحثاً عن تاكسي توصلنا إلى بيوتنا .
لم نكن نجرؤ على الوقوف طويلاً خشية مواجهة القسوة والعنف المارينزي الذي أحال خضرة المدينة إلى نزيف دائم.
ملاحظة : تم إنتاج هذا الفلم عام 2004 في مدينة الموصل ،بدعم كامل من المخرج الكردي جانو روزبياني وقد حمل عنوان (اكسباير ).

قد يعجبك ايضا