صحيفة إسرائيلية: بين “السعودية أولاً” وبايدن الغاضب.. ماذا وراء بن سلمان وأبيه؟

وهج نيوز : سيطرت الدهشة على وزير الخارجية غابي أشكنازي في أعقاب تهجمات الأمير تركي الفيصل على إسرائيل في مؤتمر الأمن الافتراضي الذي تم عقده في البحرين. قبل بضعة أيام التقى نتنياهو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان – اللقاء الذي نفاه الأمير الفيصل بشدة – الذي لم يعد منه برزمة تطبيع جديدة، لكن كان يمكنه أن يفهم بأنه خطوة أخرى باتجاه ذلك.

لم يكن هناك أي أمر مفاجئ في أقوال تركي الفيصل. من يتابع تصريحاته خلال السنة الماضية يتولد لديه الانطباع بأنه لم يغير أسلوبه.

هنا يظهر من كان رئيس المخابرات في السعودية وسفير المملكة في الولايات المتحدة لسنوات ويقول بأن إسرائيل تحتجز الفلسطينيين في معسكرات تجميع وأنها دولة كولونيالية وأن التطبيع معها مشروط بإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس. ولكن فعلياً، لم يكن هناك أي أمر مفاجئ في أقوال تركي الفيصل. من يتابع تصريحاته خلال السنة الماضية يتولد لديه الانطباع بأنه لم يغير أسلوبه. وفي مقابلات صحافية، بما في ذلك المقابلة التي أجراها معه براك ربيد من القناة 13 قبل سنة تقريباً، وفي ظهوره العلني، عرض الموقف نفسه. المبادرة العربية التي تم تبنيها في مؤتمر قمة جامعة الدول العربية في 2002، هي -حسب قوله- القاعدة التي سيبنى عليها الحل السياسي.

الفيصل ليس وحده. فموقفه يعكس سياسة الملك سلمان العلنية، وهو موقف وجد تأييداً آخر في تصريح المملكة في هذا الأسبوع والذي يقول بأن “المشكلة الفلسطينية هي مشكلة عربية أساسية تقف على رأس المشكلات التي تؤيد المملكة حلها”. وفي الجلسة نفسها التي أدارها الملك سلمان، أوضح بأنه “من المهم وقف الاحتلال عن بناء مستوطنات. هذا يمس القانون الدولي والمبادرة العربية هي أساس الحل”.

ثمة من قال إن االموقف من القضية الفلسطينية يتعلق بخلاف أيديولوجي أو استراتيجي بين بن سلمان والفيصل، أو للدقة، بين الملك سلمان وابنه.

ثمة من قال إن الأمر يتعلق بخلاف أيديولوجي أو استراتيجي بين بن سلمان والفيصل، أو للدقة، بين الملك سلمان وابنه. بين المقاربة المحافظة العروبية المنسوبة لسلمان والتي ما زالت تعتبر مملكته وصية على الأماكن المقدسة والأماكن العربية بشكل عام وفي مركزها المشكلة الفلسطينية، وبين الاستراتيجية الفردية التي يمثلها ولي العهد. موقفه يقول “السعودية أولاً”، أي أن حل النزاعات الإقليمية لا يأتي على حساب السعودية. وكان هناك من ذهبوا بعيداً مثل الموقع المعارض “السعودية أون لاين”، الذي نشر في هذا الأسبوع عن “مصادر سعودية” أن بن سلمان أمر بوضع الفيصل رهن الإقامة الجبرية وسحب منه المخصصات التي يتلقاها كأمير من العائلة المالكة. إضافة إلى ذلك، قال الموقع بأن نتنياهو قد أرسل، في أعقاب تصريحات الفيصل، رسالة احتجاج لبن سلمان، طلب فيها توضيح معنى الخطاب. اعتذر بن سلمان وأوضح بأن الأمر يتعلق بسوء فهم. في هذه الأثناء، لم يتأكد هذا التقرير، والموقع نفسه راكم لنفسه اسم من يختلق أخباراً ولا يبلغ عنها – مثلما فعل قبل ثلاثة أشهر عندما نشر بأن الملك سلمان توفي.

تفسير ذلك لا يعني أن الخلافات غير قائمة في البلاط الملكي، أو سيتم التأكد قريباً من صحة اعتقال الفيصل. لقد حدثت أمور كهذه في المملكة سابقاً، والمثال البارز منها هو وضع ولي العهد السابق رهن الإقامة الجبرية، الأمير محمد بن نايف، الذي لم يشاهده الجمهور منذ آذار. وقال المقربون من بن سلمان إن بن نايف متهم بمحاولة القيام بانقلاب، وامتلأت الشبكات الاجتماعية بتغريدات وتقارير عن أن بن نايف حاول أن يغتال بن سلمان. “الغارديان” اللندنية كشفت مؤخراً بأن نحو 40 في المئة من تقارير الشبكات الاجتماعية مصدرها روبوتات لا يعرف من يشغيلها، ولكن تخمين ذلك ليس صعباً.

       مطلوب إجابات

خطاب التطبيع الذي يدفع به بن سلمان قدماً والمدعوم بتصريحات  ترامب وصهره كوشنر القائلة بأن السعودية  قادمة بعد الإمارات والبحرين في تطبيع العلاقات مع إسرائيل- هو تقدير مناقض تماماً لموقف الملك سلمان.

إن التقدير الذي يقول بأن خطاب التطبيع الذي يدفع به بن سلمان قدماً والمدعوم بتصريحات الرئيس ترامب وصهره ومستشاره كوشنر القائلة بأن السعودية دولة قادمة بعد الإمارات والبحرين في تطبيع العلاقات مع إسرائيل- هو تقدير مناقض تماماً لموقف الملك سلمان، وبحاجة إلى عدة إجابات. على سبيل المثال، إذا كان بن سلمان هو الشخص الوحيد الذي يحل ويربط في سياسة المملكة، فكيف أخضع إرادته لإرادة والده في موضوع التطبيع؟ هل فاجأت أقوال الفيصل، بن سلمان أم أنها نسقت معه؟ وهل هناك أصلاً خلاف في مسألة التطبيع مع إسرائيل، حيث لو كانت قائمة بالفعل، فبوسع بن سلمان أن يقيل وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، الذي أعلن قبل حوالي ثلاثة أسابيع بأن المملكة مستعدة لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل بعد التوقيع على اتفاق سلام بينها وبين الفلسطينيين – اتفاق يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

إن بن فرحان، الذي ولد في ألمانيا قبل 46 سنة وشغل منصب سفير بلاده في المانيا ومنصب مستشار في السفارة السعودية في واشنطن، تم تعيينه قبل سنة فقط في منصبه بمباركة بن سلمان. منذ ذلك الحين، اعتبر المتحدث باسم بن سلمان، إضافة إلى منصبه وزيراً للخارجية. يمكن التخمين بأن هناك اتفاقاً في الرأي على الأقل بالنسبة لهدف التطبيع بين الملك سلمان وابنه: يجب أن يثمر بمقابل مناسب للمملكة. إذا كان هناك نقاش بينهم فإنه موجود في تفسير هذا المقابل.

هدف السعودية هو إعادة الأمور إلى حالها، هذا يشمل تحسين العلاقات بين واشنطن والرياض، التي تضررت بصورة شديدة بعد قتل الصحافي السعودي جمال الخاشقجي وبسبب الحرب في اليمن، التي تستمر منذ نحو خمس سنوات دون أن يلوح لها حل في الأفق. المسؤول عن هذه المسائل هو بن سلمان بصورة شخصية، وهي تضاف إلى مسألة المس الشديد بحقوق الإنسان، الذي يشمل استمرار اعتقال 13 امرأة واعتقال خصوم سياسيين. هذه معاً تشكل رزمة غضب الغرب من السعودية. التطبيع مع إسرائيل كان كما يبدو من شأنه أن يستخدم كمهر، اعتقد بن سلمان أن يقدمه للولايات المتحدة ليعيد بناء مكانة المملكة، لكن يبدو أن ترامب أوضح له بأنه لا يستطيع تزويده بالبضاعة، بالأساس ليس أمام الكونغرس الذي تقع فيه البؤرة الساخنة والتهديدية ضد ولي العهد.

إن الافتراض القائل بأن السعودية ترغب في “منح” التطبيع مع إسرائيل كهدية تدشين البيت لجو بايدن، لا يمكن أن يكون مفهوماً ضمناً. بايدن يأتي مع جعبة مليئة بالغضب، وبالاشمئزاز من بن سلمان. هو يتطلع إلى الدفع قدماً بعودة واشنطن إلى الاتفاق النووي مع إيران وإنهاء الحرب في اليمن وفحص سياسة حقوق الإنسان لبن سلمان. هو معفي من عقوبة صفقة القرن، والتطبيع بين السعودية وإسرائيل يجب أن يسبقه تطبيع بين رئيس حكومة إسرائيل والرئيس الأمريكي.

مثل كثيرين في المملكة، ينتظر سلمان أيضاً اليوم الذي يصبح فيه ملكاً ويدير المملكة كما يشاء. هو يواصل حملة تطهير الصفوف في أوساط من يعتبرون أعداء ومعارضين له، من بينهم كبار الضباط في الجيش مثل الأمير الجنرال فهد بن تركي، الذي كان قائد قوات التحالف العربي في اليمن، وأحيل إلى التقاعد في آب الماضي بذريعة الفساد. محللون سعوديون في الغرب ذهبوا أبعد من ذلك، واعتقدوا أن بن سلمان قد يجري انقلاباً في المملكة ويزيح والده عن الحكم مثلما لم يتردد في وضع أمه في الإقامة الجبرية.

ولكن هذا الانقلاب قد يمس بشرعيته بصورة عميقة، لابالسعودية فحسب. في هذه الحالة، سيجر بن سلمان إلى رقصة التانغو مع الدول الغربية، لا سيما مع الولايات المتحدة التي تهدد بوقف بيع السلاح للسعودية، الذي هو فيه المقود وليس القائد. قد ينظر بن سلمان بحسد إلى نظيره ولي عهد الإمارات، الشيخ محمد بن زايد، الذي قرأ الخارطة السياسية لأمريكا بشكل جيد وفي وقت مبكر. قرار بن زايد الانسحاب من الحرب في اليمن منحه نقاطاً كثيرة في الكونغرس الأمريكي، وألقى كامل المسؤولية عن الحرب الفاشلة في اليمن على بن سلمان. يبدو أن التطبيع وحده مع إسرائيل لم يعد كافياً ليصادق ترامب على بيع طائرات “إف35”. لو لم يفصل بن زايد نفسه عن الحرب الدموية في اليمن لكان بإمكان الكونغرس أن يضع معارضة شديدة بشكل خاص على استخدام الطائرات الأمريكية في قتل المدنيين مثلما هي الحال مع المملكة العربية السعودية.

نجح بن زايد بتمرير التطبيع في بلاده والعالم العربي بهدوء نسبي، لأن بلاده لا تعتبر أيقونة إسلامية، وهو غير غارق في حرب داخلية ضد خصوم بارزين يهددون مكانته. في حين أن السعودية حائرة بين الضغوط الداخلية والفائدة من التطبيع، يرسخ بن زايد مكانته كزعيم إقليمي رائد، وبدأ يعتم على مكانة بن سلمان. وحسب تقارير في وسائل الإعلام الأمريكية، فإنه تشاور مع بايدن قبل التوقيع على الاتفاق مع إسرائيل.

هذه العلاقات قد تنجح في اختبار التوتر المتزايد حول سياسة واشنطن بالنسبة للاتفاق النووي مع إيران. سؤال رئيسي يتعلق بمستقبل التحالف المناوئ لإيران والذي شكلته السعودية، الذي محفوظ فيه لإسرائيل مكان محترم. هل ستؤيد الإمارات (التي تعمل فيها حوالي 3 آلاف شركة إيرانية وموقعة مع إيران على اتفاق لتأمين الملاحة في الخليج الفارسي) عودة الاتفاق النووي، أم أنها ستقف هي والسعودية والبحرين ضده. إن إسرائيل، رأس الحربة في المعركة ضد الاتفاق النووي، يمكنها في حينه أن تجد نفسها في معركة سياسية، تقف فيها هي والسعودية أمام الحليف الجديد، واتحاد الإمارات، وضد الإدارة الأمريكية. 

بقلم: تسفي برئيل

هآرتس 11/12/2020

قد يعجبك ايضا