غولدا مائير: «توجد لشعبنا الإسرائيلي بطولة لكننا عاجزون عن تحمّل الخسائر البشرية»
وهج نيوز : يستدل من وثائق أرشيفية إسرائيلية سمح بالكشف عنها الأربعاء، أن إسرائيل دخلت فور شن مصر وسوريا حرب تشرين/ اكتوبر 1973 بحالة رعب، فيما اعترف وزير جيشها في نوع من «حساب للذات» بأن الفشل نمّ عن الاستخفاف بقدرات العرب.
يشار الى أن وثائق وشهادات ودراسات واعترافات إسرائيلية سابقة قد توقفت مطولا عند حالة الذهول والخوف التي ألمّت بإسرائيل في الأيام الأولى من تلك الحرب المباغتة، لكن هذه الوثائق الجديدة تلقي المزيد من الضوء على أجواء جلسات الحكومة الإسرائيلية المصغرة. كما سبق أن كشفت مستندات تاريخية أن بعض القادة الإسرائيليين طلب على الأقل التهديد باستخدام السلاح النووي لردع الجيشين المصري والسوري عن التقدم نحو حدود 1967.
وتعكس هذه الوثائق التي سمح «أرشيف الدولة» بالكشف عنها تزامنا مع ذكرى حرب 1973 عن حالة الغضب والخوف والإحباط التي تملكت قادة الاحتلال في الأيام الأولى من الحرب واستبدلت لاحقا بمشاعر الفرح المبالغ به في نهايتها.
يشار الى أن «أرشيف الدولة» سمح بالكشف عن الوثائق التاريخية في الذكرى الـ 48 لـ حرب تشرين/اكتوبر 1973 بعدما قدم التماس للمحكمة العليا من قبل «المركز لحرب يوم الغفران». وأوضح هذا المركز أنه توجه للعليا لأن السماح بنشر الوثائق التاريخية الخاصة بحرب 1973 يشكّل خطوة مهمة في مسيرة الكشف عن توثيقها، متمنيا أن يحذو «أرشيف الجيش» وغيره من الأرشيفات حذو «أرشيف الدولة» لأن الهدف هو تمكين الإسرائيليين بشكل عام والمقاتلين بشكل خاص ممن شاركوا في تلك الحرب وعائلاتهم من فهم ماذا جرى بها بوضوح.
وتعكس واحدة من الوثائق التاريخية ما كتبه مدير عام ديوان رئيسة الوزراء في الساعات الأولى من اليوم الثاني لتلك الحرب.
وحسب هذه الوثيقة قالت رئيسة حكومة الاحتلال وقتذاك غولدا مائير بعدما تبين حجم الخسائر الإسرائيلية جراء الضربات المصرية والسورية المباغتة في مثل هذا اليوم عام 1973 إن العرب لن يتوقفوا عند خط معين وسيهاجموننا وبعد قليل سيختفي الدعم القليل الذي نملكه في العالم وسيلقوننا للكلاب فهم لا يحبون اليهود وبالتأكيد يهودا ضعفاء».
كما تنعكس الأجواء الثقيلة التي سادت اجتماعات القيادة الإسرائيلية في مطلع الحرب باستخدام غولدا مائير مصطلح «النجدة العاجلة» في مكالمة لها مع قائد وحدة المدرعات إيهود باراك.
وحسب وثيقة أخرى يتضح أن رئيس الموساد تسفي زامير أبلغ غولدا مائير قبل اندلاع الحرب بيوم واحد أنه التقى «الجاسوس» أشرف مروان في لندن الذي حذره من نية السادات بفتح النار وشن الحرب، لكن الاستخبارات العسكرية استبعدت حدوث ذلك وتجاهلت تحذيراته بالكامل.
وتشير وثيقة إضافية الى أن السكرتير العسكري لرئيسة الحكومة الجنرال يسرائيل ليؤور أطلع الحكومة أن الجيش الإسرائيلي نجح في هجمته المرتدة في سيناء وأن المنظومة العسكرية المصرية توشك على الانهيار ولاحقا تبين أن ذلك غير صحيح وأن الهجمة الإسرائيلية فشلت.
عملية سرية منع نشرها
وتوضح وثيقة خاصة باجتماع الحكومة الإسرائيلية في 12 تشرين الأول/اكتوبر1973 ما دار في الاجتماع يوم تم وقف التقدم السوري في الجولان فيما نجح الجيش المصري باجتياز قناة السويس.
وفي الاجتماع اقترح قائد منطقة الجنوب في الجيش الجنرال حاييم بارليف القيام بعملية عسكرية خطيرة، وخلال ذلك تلقى رئيس الموساد بلاغا يفيد بأن الجيش المصري يستعد لشن المرحلة الثانية من الهجوم بما يشمل قوات في غرب القناة من أجل ضرب مواقع إسرائيلية في مضيق متلا في غرب سيناء.
وثائق جديدة خاصة بحرب 1973 في ذكراها الـ 48
ويستدل من الوثيقة أن إسرائيل رغبت بالقيام بالعملية التي اقترحها بارليف وعرف قادتها أن مثل هذه العملية تتيح تدمير الدبابات المصرية، لكن العملية هذه والتي يبدو أنها كانت ستشمل سلاحا محرمّا دوليا لم تنفّذ. وحسب الوثيقة طلبت مائير من الوزراء إتاحة الفرصة لزامير بالإدلاء بقوله وتقديم اقتراحه الذي شطبته الرقابة العسكرية فأوضح دلالة نوايا مصر ومعاني المرحلة الثانية من هجماتهم التي سينزلون فيها قوات كوماندوز كبيرة في منطقة مضيق المتلا، وخلال الاجتماع تم إلغاء مقترحات بار ليف واستبدلت بهجمة مضادة بناء على المعلومات الاستخباراتية التي وصلت عن نية الجيش المصري بالقيام بالمرحلة الثانية من الهجوم.
حساب للنفس
وفي وثيقة من 19 اكتوبر 1973 يعرب وزير الجيش الإسرائيلي وقتها موشيه ديان عن غضبه ويبدي حسابا للنفس وهو يتساءل لماذا لم يكن هناك إنذار مبكر حول نوايا مصر وسوريا وكيف نجح الجيش المصري بعبور القناة.
ويقول ديان في هذا المضمار:» هذه النتائج ينبغي ألا تحدث وكان علينا وقفها ولم نقدّر كما يجب قدراتهم القتالية». أما غولدا مائير فقالت إنه «ينبغي التحقيق بالموضوع» وفي اليوم التالي التقى زامير مع أشرف مروان مجددا الذي قال إن السادات لن يقبل بوقف إطلاق النار لاعتقاده أن إسرائيل لن تصمد في حرب طويلة.
وحسب الوثيقة تلقى زامير من مروان معلومات حول أهداف مصر في هذه الحرب مما ساعد إسرائيل في تحديد استمرار استراتيجيتها العسكرية.
ويستدل من الوثائق أن الحكومة الإسرائيلية درست كل هجمة وهجمة وتفيد محاضر جلسة حكومية من يوم21 اكتوبر أن ديان قال إنه من غير الممكن استخدام المدافع الثقيلة لضرب المعسكرات الإسرائيلية في قمة جبل الشيخ التي سقطت بيد الجيش السوري. وعلل ديان ذلك بالقول» هناك ضابط في الجيش اللبناني قد روى إنه سمع من رجالات حركة «فتح» يقاتلون في جبل الشيخ يقولون إن هناك نحو 40 جنديا إسرائيليا ما زالوا يختبئون داخل الأنفاق في قمة جبل الشيخ مما يحول دون قصفه خوفا على حياتهم. ربما تكون هذه أقوال صحيحة ولذلك لا نستطيع القصف بالمدافع الثقيلة كي لا نقبر جنودنا تحت الأنقاض».
وحسب هذه المستندات تحدثت غولدا مائير في ليلة اليوم المذكور عن الخسائر البشرية الكثيرة في صفوف الجيش الإسرائيلي، وقالت إن الإسرائيليين يعرفون بعضهم البعض كونهم عائلة واحدة صغيرة الكل فيها يعرف الكل وهم يتميزون ببطولتهم وبعجزهم عن تحمل الخسائر البشرية وفي كل مرة يسقط جندي يرتفع منسوب التوتر.
وتابعت» اتخذت الحكومة سلسلة قرارات سليمة حالت دون مقتل المزيد من الجنود كالقرار بالتركّز بالحرب في سوريا وبعبور القناة مما وفر علينا خسائر وجعلنا متساوين على الأقل مقابل العرب». وبعد يومين من الاجتماع المذكور التقت مائير مع الجنرال بار ليف الذي حاول إقناعها بمواصلة الحرب ورفض مقترح الأمم المتحدة بوقف النار وقد استجابت له رغم أن وقف النار تحقق في اليوم التالي، في 24 اكتوبر.
فنجان قهوة تركية
وفي اجتماع تم في اليوم الأخير من الحرب أطلعت مائير الوزراء على محادثتها الهاتفية مع وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر وبطلبها من سفير إسرائيل في واشنطن سمحاه دينيتس بأن يبلغ البيت الأبيض برفضها المقترح الأمريكي بالانسحاب 200 ـ 300 متر إلى هنا أو هناك». وبعد ذلك شرحت مائير للوزراء كيف ستدار مفاوضات تثبيت وقف إطلاق النار حتى توقيع الاتفاق، موضحة أن مبعوثا أمريكيا سيتنقل بين القدس والقاهرة التي سيزورها بالأول ثم يعود لنا ونتحادث كـ«بشر معه مع فنجان قهوة تركية».
في مستند آخر بتاريخ 27 اكتوبر وبعد ثلاثة أيام من دخول وقف النار لحيز التنفيذ تحدثت مائير عن سلام مع مصر، فقالت إنه «ينبغي القيام بما هو عام والتقدم بمقترح يحل مشاكل حتى يتحقق السلام فنحن مستعدون للذهاب مباشرة نحوه فورا». وقالت مائير أيضا في اجتماع آخر إنها درست إمكانية إمداد الجنود المصريين المحاصرين بالغذاء وإنها أرسلت رسالة لكيسنجر قالت فيها إنها تدرك أن القوى العظمى الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ستجبر إسرائيل لفتح الحصار على الجيش المصري الثالث. وفي 31 اكتوبر تلقت مائير شروحات حول اتفاق وقف النار اقترحته مصر وبموجبه تنسحب إسرائيل 30 كيلومترا من قناة السويس، فقالت معقبة «إذا كان هذا الوضع ولا توجد قوات إذن لا توجد قوات». وتعقيبا على طلب السادات بانسحاب إسرائيل من كل سيناء كشرط لوقف القتال: «كان بوسعنا تحقيق ذلك بدون الحرب».
يشار الى أن الدكتور دان ساغير، باحث إسرائيلي، نشر قبل أيام مقاطع من دراسة تقول إن مصر وسوريا علمتا بوجود قنابل نووية بحوزة إسرائيل لكنهما لم تترددا في شن الحرب عام 1973 لعلمهما أن إسرائيل لن تلجأ للسلاح السري لأنهما حددتا لجيشيهما هدفا هو المساس بأهدافها الاستراتيجية فقط لا الأهداف الحيوية الوجودية.
المصدر : القدس العربي