“نيويورك تايمز”: هل يصبح “داعش” دولة قائمة بذاتها؟

شبكة وهج نيوز – عمان : تساءلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن إمكانية تحول تنظيم داعش، إلى دولة قائمة الذات، تتمتع بالشرعية مثل سائر دول العالم، في ظل لجوئه إلى استخدام العنف والإرهاب كوسيلة لتحقيق أهدافه.
مقال الصحيفة الأميركية ذكر أن داعش يستخدم الإرهاب لإجبار الناس على إطاعته ولترهيب أعدائه، وأضاف أن التنظيم بسط سيطرته على أراضٍ واسعة، ودمر آثاراً تاريخية عدة، واستهدف الأقليات، وسبى النساء وحوّل الأطفال إلى قتلة.
مقابل ذلك، أشار مقال الصحيفة إلى أن القياديين في التنظيم يمتنعون، على ما يبدو، عن تلقي الرشى، وأن “داعش” يتفوق في ذلك على النظام السوري الفاسد، والحكومة العراقية التي سلب منها أراضيَّ كانت خاضعة لسيطرتها.
“في إمكانك أن تسافر من الرقة إلى الموصل، ولن يتجرأ أحد على اعتراض سبيلك حتى لو كنت تحمل معك مليون دولار”، كما جاء في تصريح أدلى به للصحيفة شخص يدعى بلال، يقيم في الرقة، التي أصبحت عاصمة “داعش” بحكم القوة، “لن يتجرأ أي أحد على سلب دولار واحد منك”.
وعلى الرغم من عدم توقع أي كان أن يصبح “الدولة الإسلامية” كياناً معترفاً به يشتغل مثل سائر الدول، فإن التنظيم سائر في طريق وضع الآليات التي تضمن ممارسة الحكم.
مقال “نيويورك تايمز” أبرز كذلك أن تنظيم “داعش” بعد سيطرته على أراضٍ واسعة ووضعه آليات ممارسة الحكم، أضحى يسير على طريق التحول إلى دولة قائمة الذات تعتمد على العنف والإرهاب كأدوات لبلورة أهدافها. وأضاف المقال، أن هذا الأمر هو واقع ملموس بالنسبة للأشخاص الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها داعش، الذي تمكن من توفير استقرار نسبي في منطقة تعمها فوضى الحروب والخراب، وملء الفراغ الذي تركته الحكومات الفاسدة، التي لجأت بدورها إلى العنف لتحقيق أهدافها، من خلال الاعتقال والتعذيب والسجن.
وتطرق المقال إلى أنه على الرغم من عدم توقع أي كان أن يصبح داعش كياناً معترفاً به يشتغل مثل سائر الدول، فإن التنظيم سائر في طريق وضع الآليات التي تضمن ممارسة الحكم، كإصدار وثائق ثبوت الهوية لفائدة المقيمين ضمن مناطقه، وتفعيل توجيهات، مثل ضبط ممارسة نشاط الصيد لحماية الثورة السمكية، وإلزام السائقين على حمل عدة الصيانة في حال وقوع أضرار مفاجئة في العربات.
الصحيفة الأميركية، التي تطرقت لنماذج تاريخية تحولت من خلالها تنظيمات تبنت العنف إلى قواعد تأسست عليها أنظمة دول عدة، أبرزت أن إمكانية انتقال “داعش” إلى دولة كما هو متعارف عليه، أمر في حد ذاته يتطلب قيام الغرب بإعادة النظر في استراتيجيته التي يطغى عليها الطابع العسكري في مواجهة التنظيم.
وعن الأشخاص الذين يقيمون في المناطق الخاضعة لسيطرة “داعش”، ذكر مقال “نيويورك تايمز” أن العنف الذي يمارسه التنظيم ينظر إليه بطريقة مختلفة عن نظرة الغرب، موضحاً أن السوريين والعراقيين تعودوا على العنف، لاسيما في العراق التي عاش سكانها أزيد من عقد من الزمان مع الحرب، وقبل ذلك ذاقوا مرارة العيش في ظل دولة بوليسية فاسدة أثناء فترة حكم صدام حسين وحزب البعث.
كما أوضح المقال، أن هؤلاء الأشخاص يحسون، الآن، بوجود قدر نسبي من الانضباط وشوارع أكثر نظافة، على الرغم من أنه يصعب كثيراً، في الوقت الراهن، تخيل أن يتحول داعش إلى دولة تتمتع بالشرعية، لديها مطاراتها وجوازات سفر خاصة بها.
على صعيد آخر، أجمعت شهادات من سكان محليين في العراق، على وجود خلافات حادّة بين عناصر تنظيم داعش وصلت إلى حد الاشتباكات المسلّحة، وذلك بسبب قرارات زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي الأخيرة، التي لم تحظَ بترحيب لدى أتباعه، بحسب تلك الشهادات.
وروى أحد الشبان من سكان الموصل، يدعى أنس أحمد، (34 عاماً)، أنّ خلافات حادة تعصف بتنظيم داعش في الموصل ظهرت بشكل جلي، أخيراً، وتطورت في كثير من الأحيان إلى إطلاق نار، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم، مرجّحاً أنّ “تلك الخلافات تعود إلى أن البغدادي لم يعد قادراً على ضبط كل أتباعه، وباتت كلمته غير مؤثرة، كما كانت في السابق، فضلاً عن أنّه لم يعد تلك الشخصية التي تحظى بشعبية مطلقة في صفوف قيادات أو عناصر التنظيم”.
وأضاف “الكلام والجدل بدأ يخرج من غرف “داعش” وكواليسها إلى العلن، وبحكم عملي (في الطب البديل) أسمع الكثير من كلامهم وخلافاتهم”.
وعلى ما يبدو فإنّ حدة الخلافات وتكرارها في الموصل والأنبار والرقة وكركوك ومدن أخرى يسيطر عليها “داعش”، لم تعد قابلة للبقاء طي الكتمان، إذ تتردد أنباء مؤكّدة أن الخلافات الحالية تبدأ من هرم قيادة “داعش”، وحتى مقاتليها الاعتياديين، فضلاً عن مناصريها بسبب قرارات زعيم التنظيم الأخيرة، بقتال فصائل جهادية أخرى في سورية كـ”النصرة وكتائب الشام والجيش الحر وغيرها”، كذلك في العراق وتورطه بقتل قيادات “جيش المجاهدين” وأعضاء المجالس العسكرية للعشائر المناهضة للحكومة وللتدخل الإيراني، والتفجيرات الإرهابية التي ضربت السعودية والكويت.
وفي هذا السياق، كشف زعيم قبلي بارز في الموصل، أنّ “البغدادي لم يعد ذلك الخليفة صاحب الشعبية التي ظهر بها في حزيران (يونيو) العام الماضي، بجامع المدينة الكبير، فقد رصد أتباعه عشرات الأخطاء اليومية من قرارات يصدرها، فضلاً عن أنه لا يمتلك كاريزما الرجل القائد لا بهيئته ولا شكله، مقابل وجود أصحاب الحجة واللسان البليغ والتأثير في المعارك داخل التنظيم، لذا نتوقع أنه سيبدأ بتصفيتهم على غرار عادة الملوك والرؤساء على مر التاريخ، الذين يقتلون قادة جيوشهم بعد أن يشعروا أن ولاء الجند بات لهم وليس له”.
ولفت الشيخ العراقي، وهو من المقربين لدوائر التنظيم في الموصل، إلى أن “داعش انقسم الآن إلى قسمين يعرفون شعبياً بجنود ما قبل الفتح، وما بعد الفتح. فالذين دخلوا الموصل وباقي مناطق العراق يعتبرون أنفسهم أفضل من الذين انضموا للتنظيم بعد ذلك بفترة، وهناك تفرعات ومشاكل كثيرة، من بينها توزيع وتخصيص المرتبات وقرار البغدادي، أخيراً، منع العوائل من الخروج من المدن، وإبقائهم تحت رحمة القصف كل تلك العوامل بدأت تنخر بالتنظيم”.
وأوضح أن “تنظيم الدولة لم يعد على قلب رجل واحد كما في السابق، هناك تناحر متصاعد لكن لا يمكن التعويل على تغييرات بالأراضي التي يسيطرون عليها، فهم متفقون على القتال أكثر من أي وقت مضى”.
بدوره، قال الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، خالد الطائي، إنّ “الحديث عن ضعف تأثير البغدادي بأتباعه، مؤكد، وهذا ما تبين لنا من تغريدات على (تويتر) لأنصار التنظيم وحتى عناصره، إذ ارتفعت حدّة الاعتراض على بعض القرارات والتسجيلات التي يبثها التنظيم، وفي بعض الأحيان الاقتراح على البغدادي أموراً غير تلك التي ذكرها، وهذا الأمر لم يكن موجوداً حتى قبل أشهر قليلة”.
ولفت الطائي، إلى أن “توسع التنظيم في حجمه سواء بموارده المالية أو المساحة التي يسيطر عليها أو عدد عناصره، له انعكاسات سلبية على القائمين عليه ومنها الخلافات الداخلية المتصاعدة والتذمر من الزعيم”.
ورجّح أنّ “تستمر تلك الخلافات بالاتساع، لكن لا يمكن أن نأمل من الحكومة أو قوات الأمن أي استغلال لذلك كونها تفتقر للحكمة والذكاء، بهذا المجال ويبقى التعويل على نحو 20 جهاز مخابرات دولي يعمل في العراق، أن يوجّه البوصلة لصالح العراقيين وحتى السوريين”.-(وكالات )

قد يعجبك ايضا